بعد فترة قصيرة من دخول أندري إلى الغابة، كانت مجموعة رودرينا قد توغلت هي الأخرى بين الأشجار.
كانت رودرينا تسير في المقدمة، تراقب الطريق بحذر وسيفها في يدها. خلفها كان كايرو يحمل قوسه ويراقب ما بين الأشجار، بينما سار غين إلى جانبه ممسكا بسلاحه الثقيل. أما سيرا وناريا فكانتا في الخلف، تراقبان محيط المجموعة ومستعدتين للتدخل عند الحاجة.
كلما توغلوا أكثر، ازدادت الأشجار كثافة، وقل الضوء المتسلل بينها. لم يسمعوا سوى حفيف الأوراق وأصوات الرياح الخفيفة.
فجأة، دوى صوت تحطم الأغصان من أمامهم.
اندفع حيوان ضخم من بين الأشجار.
كان يشبه أحد حيوانات الغابة، لكنه كان أكبر بكثير من حجمه الطبيعي، وعضلاته أكثر وضوحا، كما بدت حركته أكثر شراسة.
تقدمت رودرينا لمواجهته، بينما أطلق كايرو سهما من الخلف. اندفع غين بعد إصابة السهم وضرب الحيوان بسلاحه الثقيل، وفي الوقت نفسه أطلقت سيرا تعويذتها.
استغلت رودرينا الفرصة ووجهت ضربة حاسمة بسيفها.
سقط الحيوان.
اقتربت رودرينا من الجثة، لكنها لاحظت جرحا غريبا في جسده.
لم يكن الجرح ناتجا عن هجماتهم.
كان عميقا، وداخل الجرح تحركت ديدان صغيرة.
قال كايرو وهو يحدق فيها:
"هل تعتقدين أن هذه الديدان هي السبب"
فحصت رودرينا الجرح للحظات.
"لا أعرف، لكن من الواضح أن هذا الحيوان لم يصبح هكذا بشكل طبيعي."
قبل أن يكملوا حديثهم، ظهرت حيوانات أخرى بين الأشجار.
كانت مختلفة في الشكل، لكنها جميعا أكبر وأقوى من الحيوانات الطبيعية، وكل واحد منها يحمل جرحا في مكان مختلف من جسده، والديدان موجودة داخل تلك الجروح.
نظر كايرو إلى الحيوانات ثم إلى الجثة.
"إنها ليست مصادفة."
أدركت رودرينا الأمر بسرعة.
"وحش ما حول هذه الحيوانات إلى وحوش."
قالت سيرا:
"إذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن هناك شيئا آخر في هذه الغابة."
وفي منطقة ما من الغابة، كان أندري يمشي بين الأشجار بخطوات هادئة، بينما كانت عيناه تراقبان ما يحيط به باستمرار.
منذ أن حصل على خبرة راكان من خلال العين البيضاء، أصبح عقله يعمل بطريقة مختلفة. لم يعد ينظر إلى الأشياء من حوله دون تفكير، بل صار يقيم كل ما يراه بشكل لا إرادي. كان يلاحظ تضاريس الأرض، مواقع الأشجار، امتداد الأغصان والمساحات الخالية بينها، وحتى التفاصيل الصغيرة التي لم يكن ينتبه إليها من قبل.
كانت تلك الخبرة تعمل في ذهنه دون أن يطلب منها ذلك.
حتى الإحساس بطاقة الكائنات أصبح جزءا من حواسه.
وأثناء سيره، شعر بطاقة تقترب منه.
لم تكن قوية، لكنها كانت أوضح وأقوى قليلا من طاقة الحيوانات العادية.
توقف أندري عن السير، ونظر في اتجاهها للحظات قبل أن يتحرك بسرعة نحو إحدى الأشجار. أمسك بجذعها وصعد بخفة، ثم استقر بين أغصانها وراقب المكان من الأعلى.
بعد لحظات، ظهر قرد بين الأشجار.
كان مختلفا تماما عن القرد الطبيعي.
كان أطول وأضخم بكثير، وجسده مغطى بعضلات بارزة، بينما بدت ذراعاه أثقل وأكثر قوة. ظهرت أنياب كبيرة من فمه، وكانت حركته تحمل عنفا واضحا حتى أثناء سيره.
لاحظ أندري جرحا واسعا في بطنه.
ظل ينظر إليه للحظات.
ظن أن القرد خرج من قتال ما، لكنه لم يجد فرصة للاستمرار في التفكير.
تحرك القرد فجأة.
قفز نحو شجرة قريبة وتسلقها بسرعة، ثم توقف فوق أحد أغصانها وأخذ ينظر حوله.
راقبه أندري بصمت.
ومن طريقة تحركه، أدرك أن الوحش سيلاحظه قريبا.
لم ينتظر حتى يحدث ذلك.
قفز أندري نحو الغصن الذي يقف عليه القرد، وبمجرد وصوله ضغط عليه بكل قوته.
صدر صوت تكسير حاد.
انكسر الغصن تحت ضغطه، وسقط الاثنان من أعلى الشجرة.
كان أندري قد خطط لذلك منذ البداية، لذلك استعد للسقوط وهبط على الأرض بثبات، بينما ارتطم القرد بالأرض بقوة وأثار سقوطه الغبار والأوراق اليابسة من حوله.
وقبل أن يتمكن الوحش من استعادة توازنه، كان أندري قد سحب سيفه بالفعل.
وجه ضربة مباشرة نحو الجرح الموجود في بطنه.
رفع القرد ذراعه في اللحظة الأخيرة.
اصطدمت الشفرة بها، وتمكن من صد الضربة بصعوبة.
استغل أندري قربه من الوحش، ومد يده الأخرى وغرسها مباشرة داخل الجرح المفتوح في بطنه.
تشنج جسد القرد بعنف، لكنه لم يمنح أندري فرصة للبقاء قريبا.
وجه ضربة قوية إليه.
ارتطمت الضربة بجسد أندري وقذفته بعيدا.
انطلق جسده عبر الهواء قبل أن يرتطم بالأرض ويتدحرج عدة أمتار.
توقف أخيرا، وبقي للحظات مستندا إلى الأرض.
كان الألم واضحا في جسده، لكن الدرع الذي يغطيه حماه من إصابة أكثر خطورة.
عندها نظر أندري إلى يده.
كانت مغطاة بالدم، وتعلقت بها ديدان صغيرة خرجت من الجرح، راحت تتحرك فوق جلده وتحاول غرس أجسادها فيه.
تغيرت ملامح أندري قليلا، ومسح يده بسرعة لإبعادها.
"ما هذه"
لكن القرد لم يمنحه وقتا لمعرفة الإجابة.
اندفع نحوه مرة أخرى.
سحب أندري سيفه، وفي اللحظة نفسها شعر بالغضب يتصاعد داخله.
لم يكن الألم وحده هو ما دفعه لذلك.
منذ أن حصل على خبرة راكان من خلال العين البيضاء، لم تعد قسوة القتال مجرد معلومات في ذهنه. لقد عاش خبرة راكان وكأنها جزء من حياته، ومع استمرار المواجهة بدأت تلك القسوة تنعكس على مشاعره.
تحولت رغبته في إنهاء القتال إلى رغبة واضحة في قتل الوحش.
اندفع القرد نحوه ووجه ضربة قوية.
رفع أندري ذراعه محاولا صدها.
لكن القرد تراجع عن مسار الضربة في اللحظة الأخيرة، وغير اتجاهها بسرعة، ثم أمسك بأندري وجذبه نحوه بقوة.
فتح فمه محاولا تمزيق وجهه بأنيابه.
انحنى أندري بسرعة.
مر فم الوحش فوق القناع الأسود الذي يغطي وجهه.
وفي اللحظة التالية، رفع أندري رأسه ووجه ضربة قوية إلى فك القرد.
اهتز رأس الوحش وتراجع.
وقبل أن يستعيد توازنه، كان أندري قد أصبح أمامه.
قبض على سيفه.
ازدادت الخطوط الحمراء المحيطة بالشفرة توهجا، وانعكس ضوؤها على جسد الوحش القريب.
ثم اندفع أندري.
اخترق السيف الجرح الموجود في بطن القرد، وغاص النصل عميقا حتى خرج من ظهره.
تشنج جسد الوحش، وتناثر الدم من الجرح، لكنه لم يسقط.
حاول القرد رد الهجوم ووجه ذراعيه نحو أندري.
ترك أندري السيف مغروسا في جسده، ثم أمسك بذراعي الوحش بيديه العاريتين ومنع مخالبه من الوصول إليه.
فتح القرد فمه من جديد.
اقتربت أنيابه من أندري.
مد يده وأمسك بأحدها.
حاول القرد سحب رأسه، لكن أندري ثبت الناب بكل قوته.
ثم كسره.
سال الدم من فم القرد، لكنه لم يتوقف.
أمسك أندري بالناب المكسور وبدأ يضرب به رأس الوحش بقوة.
توالت الضربات بعنف حتى خمدت مقاومة القرد تماما وسقط جسده على الأرض بلا حراك.
وقف أندري فوق الجثة وهو يلهث.
نظر إلى الوحش الذي كان قبل لحظات يحاول قتله.
لم يتوقع أن ينتهي القتال بهذه الوحشية، لكنه لم يشعر بالندم.
كان هناك شعور غريب بالرضا يتسلل إليه رغم كل شيء.
وبعد موت القرد مباشرة، بدأت أياد سوداء بالخروج من جسده.
ظهرت الأيادي من أنحاء الجثة، ثم امتدت حولها وبدأت تمتص طاقة حياته.
راقب أندري المشهد بصمت حتى خمدت حركة الجثة تماما.
عندها ظهرت أمامه شاشة النظام.
"تم تحقيق القتل."
القوة: 3
الخبرة: 3
الرشاقة: 3
التحمل: 3
"حسنا، رغم أنه في الأصل حيوان، فإن إحصائياتي ازدادت بعد قتله. أعتقد أن السبب هو تلك الديدان. يبدو أنها حولته إلى وحش."
نظر أندري إلى جثة القرد للحظات، ثم تابع تفكيره.
"إذا عرفت مصدر هذه الديدان وتمكنت من قتل الوحش الذي يتحكم بها، فربما أستطيع الحصول على قدرته والتحكم بها أيضا."
توقف قليلا قبل أن يضيف:
"لكن علي أولا قتل المزيد وتطوير قوتي. لا يزال أمامي ثمانية قتلات."
ظل ينظر إلى الجثة.
"سأقتل سبعة منها، أما الأخيرة فسأحاول أن أجعلها للوحش الذي تسبب في تحويل هذه الحيوانات إلى هذا الشكل. لكن علي مراقبته أولا."
بقيت عيناه على الجثة، وبدأ يربط ما حدث منذ دخوله الغابة.
"هناك شيء آخر. لم اواجه أي وحش حقيقي منذ دخولي الغابة. ربما يكون هذا الوحش هو السبب. إذا كان قادرا على السيطرة على الحيوانات وتحويلها إلى وحوش، فربما يكون قد جعل الوحوش الأخرى تبتعد عن هذه المنطقة."
فكر قليلا قبل أن يتابع:
"وإذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أنه لا يعيش هنا بالقرب من المدخل. ربما يكون في الأعماق، داخل المكان الذي حذرني الموظف من دخوله."
