Cherreads

Chapter 9 - الفصل التاسع: العودة

توقف أندري أمام الوحوش التي لمحها. لم يتردد ولو للحظة، بل اندفع نحوهما، وفي لمح البصر، مرّ سيفه بسرعة فائقة و قطعت رأسيهما قبل أن يتمكنا من التحرك. تناثرت الدماء على الأرض، وسقط الجسدان بلا حراك.

ظل أندري واقفًا في مكانه، ممسكًا بسيفه، وانتظر قليلًا وهو يراقب الجثتين، مترقبًا ظهور تلك الأيادي السوداء التي اعتاد رؤيتها بعد قتل الوحوش.

لكن شيئًا لم يحدث.

ضيّق عينيه قليلًا، ثم أطلق زفيرًا هادئًا وهو ينظر إلى الجثتين.

"لم تظهر أيادٍ هذه المرة، كما توقعت. يبدو أن اكتساب القوة من قتل الوحوش كان مرتبطًا بالمهمة، وقد انتهى بانتهائها. والاختبار اقترب موعده أيضًا، لذا من الأفضل أن أعود وأتدرب على القتال اليدوي حتى أعتاد على قوتي الجديدة وأتمكن من التحكم بها بشكل أفضل."

بعد أن أنهى تفكيره، أعاد سيفه إلى وضعه المناسب واستدار نحو المخرج البعيد. كان الليل قد حل بالفعل، وأصبحت الغابة أكثر ظلمة وهدوءًا، باستثناء الأصوات المتقطعة التي كانت تتردد بين الأشجار. لم يكن لديه سبب للبقاء أكثر من ذلك، فبدأ يشق طريقه نحو الخارج.

---

في منطقة أخرى، كانت رودرينا ومجموعتها قد وصلوا بالفعل إلى بوابة الخروج، حيث أبلغوا المسؤولين في المركز بما واجهوه داخل الغابة، بما في ذلك الوحوش التي أصابتها الديدان والتغيرات الغريبة التي طرأت عليها.

لم يتأخر المسؤولون في اتخاذ الإجراءات اللازمة. بدأوا بتجهيز مجموعة للدخول إلى الغابة والتحقق من الوضع، بهدف تطهير المنطقة من الخطر قبل أن تتفاقم الأمور ويصبح التعامل معها أكثر صعوبة.

في هذه الأثناء، جلست رودرينا على أحد المقاعد القريبة، وأسندت ظهرها إليه قبل أن تطلق نفسًا عميقًا. كان التعب لا يزال واضحًا على جسدها بعد ما واجهته في الغابة، ومع ابتعادها قليلًا عن أجواء الخطر وهدوء أنفاسها تدريجيًا، وجدت نفسها تستعيد ذكريات قديمة ظلت عالقة في ذهنها لسنوات.

كانت لا تزال صغيرة عندما فقدت والديها. لم تكن في ذلك العمر قادرة على استيعاب معنى رحيلهما بالكامل، لكن غيابهما ترك فراغًا كبيرًا في حياتها وصدمة احتاجت إلى وقت طويل حتى تتمكن من تجاوزها.

ومع مرور السنوات، بدأت تنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة. لم تعد ترى فقدان والديها بوصفه حزنًا يخصها وحدها، بل أدركت تدريجيًا حجم المسؤولية التي وقعت على عاتق أخيها الأكبر بعد رحيلهما.

فقد أصبح عليه الحفاظ على اسم العائلة وتحمل أعبائها، إلى جانب الاهتمام بها ورعايتها. كانت مسؤوليات كثيرة بالنسبة إلى شخص واحد، ومع ذلك، لم يسمح لها برؤية مقدار ما كان يعانيه بسهولة.

لكن رودرينا لم تكن غافلة تمامًا عما يحدث حولها. كانت تلاحظ الإرهاق الذي يظهر أحيانًا على ملامحه، وتدرك أنه يحاول إخفاءه كلما وقعت عيناه عليها. ومع مرور الوقت، فهمت أنه ظل يتحمل تلك الأعباء وحده لسنوات، محاولًا الحفاظ على عائلته رغم كل الصعوبات التي واجهته.

كلما فكرت في ذلك، ازداد شعورها بأنها لا تستطيع الاستمرار في الاعتماد عليه إلى الأبد. لم تكن تريد أن تبقى مجرد شخص يحتاج إلى الحماية، بينما يواصل أخوها تحمل كل شيء نيابة عنها.

لهذا السبب، اتخذت قرارها بأن تصبح أقوى، وأن تساعده قدر استطاعتها. لم تكن تريد أن ترد له كل ما فعله من أجلها بالكلمات وحدها، بل أرادت أن تثبت أنها قادرة على الوقوف إلى جانبه وتحمل جزء من المسؤولية التي أثقلت كاهله طويلًا.

وكان الفوز في المسابقة فرصة لتحقيق ذلك. فإظهار قوتها أمام الأجناس الأخرى لم يكن مجرد وسيلة لإثبات قدراتها الشخصية، بل كان أيضًا فرصة لرفع مكانة عائلتها واستعادة بعض مجدها السابق.

ربما لن تتمكن من تغيير كل شيء بمفردها، لكنها على الأقل أرادت أن تخطو خطوة إلى الأمام، وأن تجعل أخاها يدرك أن السنوات التي قضاها في حمايتها لم تذهب سدى، وأنها أصبحت قادرة على الاعتماد على نفسها ومساندته بدلًا من أن تكون عبئًا إضافيًا عليه.

قبل أن تستمر رودرينا في استرجاع ذكرياتها، اقتربت منها ناريا وحدها وجلست إلى جانبها.

"لقد كان الأمر صعبًا حقًا. كنا محظوظين لأن الوحشين أرهقا نفسيهما، ورغم التعب الذي عانيناه، فإن ما حدث يُعد إنجازًا عظيمًا، ألا توافقينني الرأي يا رودرينا؟"

ظلت رودرينا صامتة للحظات، وكأنها كانت لا تزال غارقة في أفكارها، لكنها سرعان ما جمعت شتات نفسها وأجابت

"صحيح، وأنا سعيدة لأننا تمكنا من مواجهة ما حدث بفضل عملنا معًا. فرغم حظنا كان أيضًا توافقنا وتعاوننا مهمين للغاية، لكن قبل مدة وصلتنا التقارير عن البحيرة، علمنا أن العديد من الأشخاص قد ماتوا بالفعل. لقد أزعجني الأمر لأننا لم نتمكن من الوصول في وقت أبكر، وربما إن وصلنا بسرعة أكبر لكان وجدنا حلًا أسرع. لكن هذه هي الحياة، فمهما بلغت قوتك، لن تكون قادرًا على حماية الجميع."

توقفت رودرينا قليلًا، ثم تذكرت الشخص الذي كان يرتدي القناع الغريب، أندري. لم تكن تعرف ما إذا كان قد تمكن من النجاة والخروج من الغابة، أم أنه وقع ضحية لما حدث هناك.

لكن ناريا قاطعتها قائلة: "هذا صحيح، لكننا على الأقل كنا جزءًا من إنقاذ أشخاص ربما كانوا سيموتون في المستقبل. ومع ذلك، فإن ظهور سيد الوحوش في منطقة أعلام الصفراء وليس الحمراء بدون إدراك المركز أمر غريب. لقد تولى المركز التحقيق في الأمر، لذلك لا يسعني التدخل، لكنني أتمنى أن يكتشفوا الحقيقة في أسرع وقت ممكن. على أي حال، لا يزال كايرو متعبًا، وهو أكثر أفراد مجموعتنا تعرضًا للإصابات، لذا من الأفضل أن أذهب للاطمئنان على حالته."

نهضت ناريا وغادرت، بينما بقيت رودرينا في مكانها لبعض الوقت. وعندما نهضت أخيرًا، سمعت أصواتًا تأتي من بوابة الغابة، حيث كان بعض الأشخاص يرحبون بأحد العائدين.

كان الليل قد حل، وبعد الأحداث التي شهدتها الغابة، لم يكن من المعتاد أن يعود شخص منها سالمًا بسهولة. فقد تسببت البحيرة بصنع عدد هائل من الوحوش وكان ذلك هو ما جعل الموقف غريبًا.

لهذا السبب، التفتت رودرينا نحو البوابة بدافع الفضول، راغبة في معرفة هوية الشخص الذي عاد في هذا الوقت المتأخر.

وما إن وقع بصرها عليه حتى تعرفت إلى القناع الذي يرتديه.

كان القناع الأسود نفسه، بخطوطه الذهبية التي تتركز حول إحدى العينين، وشعار اليد الحمراء القرمزية قرب العين الأخرى.

لقد كان أندري.

كان قناعه غريبًا بما يكفي ليبقى عالقًا في ذاكرتها، حتى بعد كل ما حدث في الغابة. خرج أندري من البوابة واتجه نحو الموظف المسؤول عن تسجيل المهمات، وهو الشخص الذي استقبله في وقت سابق.

بدت الدهشة واضحة على وجه الموظف عندما رآه يعود، إذ لم يكن يتوقع رؤيته مجددًا، خصوصًا بعد أن علم بالأحداث التي وقعت عند البحيرة.

تقدم أندري نحو المكتب وقال: "مرحبًا، أريد تسجيل أول مهمة استطلاع ناجحة لي."

ثم أخرج جلدَي وحشين ومخالبهما، ووضعها أمام الموظف. كان الوحشان هما اللذين قتلهما قبل مدة، ولأن الأيدي السوداء لم تظهر هذه المرة، لم تذبل جثتاهما ولم تختفيا كما حدث مع الوحوش التي قتلها خلال المهمة السابقة. لذلك بقي الجلد والمخالب سليمين، وتمكن من الاحتفاظ بهما وإحضارهما إلى المركز.

تفحص الموظف ما وضعه أندري أمامه، ثم رفع رأسه وقال بنبرة ودودة: "من الجيد أنك عدت سالمًا. لدي الكثير من الأسئلة التي أود طرحها عليك، لكن الأهم هو أنك عدت بخير. سلامة صيادينا تأتي في المقام الأول."

بعد ذلك، أخرج الموظف مبلغًا من المال وقدمه إلى أندري، مضيفًا: "هذا ثمن الجلود والمخالب التي حصلت عليها."

أخذ أندري المال، بينما بدأ الموظف بتعبئة الأوراق اللازمة وتوثيق انتهاء مهمة الاستطلاع. وبعد أن انتهى من الإجراءات، استدار أندري واتجه نحو المخرج.

"لطيف وطيب بطريقة غريبة جدًا حسب هذا الضجيج والكلام عن البحيرة فغريب أن يتجاهلوا شخص ضعيف خرج سالمًا أعتقد أنني سأكون مراقبًا لبضع أيام"

وقبل أن يغادر، لاحظ فتاة جالسة تراقبه.

كانت رودرينا.

نظر إليها أندري للحظة، ثم فكر في نفسه:

تلك الفتاة مجددًا. بسببها وبسبب مجموعتها، أضعت فرصة قتل سيد الوحوش بنفسي، لكن لا يهم، فقد حصلت على تعويض مناسب.

واصل طريقه، لكنه سمع صوت رودرينا يناديه:

"توقف"

توقفت خطوات أندري، ومرّ سؤال في ذهنه على الفور.

"هل يعقل أنها لاحظتني عندما واجهوا سيد الوحوش؟!"

استدار نحوها، فرأى نظرتها الحادة وهي تقترب منه. توقفت أمامه لقد تخاطر المشرف معها بالعقل وقال لها أن تتأكد من أنه بشري فقناعه كان يخفي حتى جنسه والجميع تجاهل حقيقة أن دخول الغابة مسموح فقط للبشر والألف لذلك كان من الأفضل معرفة إذا كان أندري بشريًا أو ألف أو جنس آخر وأكثر خبثًا لذلك خرجت الكلمات من فمها

"أنت بشري؟"

نظر أندري إليها وجد شكوكها مبالغًا فيها بعض الشيء، لكنه شعر بالارتياح لأنها لم تكتشف حقيقته. لم يكن يريد إضاعة المزيد من الوقت، فقد كان مستعجلًا للعودة والتدرب، لذلك لم يمنحها فرصة لطرح أسئلة أخرى، ونزع قناعه مباشرة.

ظهر شعره الأسود الفوضوي بالكامل، ولمعت عيناه الذهبيتان كأنهما مصنوعتان من الذهب الخالص.

تفاجأت رودرينا عند رؤية وجهه. فعلى الرغم من درعه الجميل وقناعه الغريب، كان مظهره يوحي قبل أن يكشف وجهه بأنه أحد المرتزقة، لكن ملامحه جعلته يبدو أقرب إلى نبيل عظيم.

وقبل أن تتمكن من متابعة التفكير في الأمر، سألها أندري:

"هل هذا يكفي؟"

ثم أمسك بوجهه وحرّك جلده حول ملامحه وعينيه، ليتأكد لها أنه لا يستخدم أي تقنية لاستبدال الوجوه أو تغيير هويته.

تراجعت رودرينا قليلًا، ثم قالت: "أعتذر منك. كنت حذرة فحسب، ولم أقصد إهانتك"

استدارت لتغادر، لكن أندري أوقفها بسؤاله:

"هل لي بمعرفتك؟"

التفتت رودرينا إليه وأجابت: "أنا رودرينا، من عشيرة الذات"

رد أندري "أدعى راكان شخص متجول فقط وسعيد بمعرفتك"

في الحقيقة لم يكن سعيدًا أبدًا لأنه لم يعرف هذه العشيرة ولم يكن حوار أحباء أو تعارف حتى أنه لم يكن مهتمًا كان فقط مهتمًا بقوتها في لحظة التقائهم وبعدها اختفى الاهتمام أما رده كان مجرد رد لملء فراغ الحوار

بعد ذلك، استدار كل منهما واتجه أندري نحو وجهته، فهو يحتاج لنوم وصرف ماله في طعام.

More Chapters