Cherreads

Chapter 10 - الفصل العاشر: بداية تلاعب النظام

بعد وصول أندري إلى مكان نومه المتواضع، استلقى على فراشه البسيط، وأسند رأسه إلى وسادة فقدت معظم ليونتها بفعل الاستخدام الطويل. كان المكان هادئًا، لا يُسمع فيه سوى أصوات خافتة تتسلل من الخارج، بينما تسللت أشعة القمر عبر النافذة الصغيرة، وألقت بظلال باهتة على الجدران القديمة.

أغمض عينيه للحظات، وكان يشعر بشيء من الرضا عن نفسه. فقد تمكن من التطور بسرعة ملحوظة، رغم الغموض الذي لا يزال يحيط به، والأسرار التي لم يتمكن من فهمها حتى الآن. لم يكن يعرف حقيقة النظام الذي يرافقه، ولا طبيعة القوى التي بدأت تظهر أمامه، فضلًا عن الأسباب التي جعلت حياته تتحول إلى سلسلة من الاختبارات والمخاطر.

وربما كان أحد تلك الأسرار سببًا في هلاكه يومًا ما، لكنه لم يكن مستعدًا لإهدار وقته في التفكير المفرط. فقد أدرك أن التفكير في الأمور التي لا يملك إجابات عنها لن يمنحه بالضرورة حلولًا، بل قد يحرمه من الراحة التي يحتاج إليها.

فضّل أن يستريح وينام، تاركًا الأسئلة التي لم يجد لها إجابات إلى وقت آخر.

---

في مكان آخر من الغابة، بالقرب من البحيرة، كان عدد كبير من الأشخاص قد تجمعوا حولها. تحرك أفراد المجموعات المختلفة بين الأشجار، بينما تولى آخرون فحص المنطقة، متفحصين آثار المعركة وما خلفته من دمار. كانت بعض الأشجار تحمل علامات واضحة على تعرضها لضربات عنيفة، فيما تناثرت بقايا النباتات والأغصان المكسورة على الأرض.

انتشر أفراد المركز في المنطقة، محاولين جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات 

لكن بعيدًا عن أعين الجميع، كان أحد الألف مختبئًا بين الأشجار، يراقب المشهد بصمت.

كان جسده النحيل مستترًا خلف جذع شجرة عريض، ولم يظهر منه سوى جزء من وجهه وعينين تتابعان تحركات الأشخاص بدقة. لم يكن يبدو عليه الارتباك، لكنه كان يدرك أن ما حدث لم يكن أمرًا عاديًا، وأن استمرار بقائه في المكان قد يعرضه لخطر غير مرغوب فيه.

ضيّق عينيه وهو يتفحص المنطقة، ثم تمتم بصوت خافت:

"يبدو أن البشر أصبحوا أقوى مما توقعت. لم أتخيل أنهم سيتمكنون من هزيمة سيد الوحوش بهذه السرعة."

ظل يراقب المشهد للحظات، وكأنه يحاول الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من التفاصيل في ذاكرته.

وفجأة، انفتحت زهرة غريبة من كتفه.

كانت بتلاتها تتفتح ببطء، في مشهد غير مألوف، قبل أن يصدر منها صوت امرأة رقيق، بدا هادئًا رغم ما يحمله من استعجال.

"نحتاج إليك. عليك العودة سريعًا."

لم يُبدِ الألف أي اعتراض، بل أجاب بهدوء، وكأنه كان يتوقع هذا الطلب.

"حسنًا، سأكون في طريقي."

أغلق عينيه للحظة، ثم ألقى نظرة أخيرة على البحيرة وما حولها. وبعدها استدار، واختفى بين الأشجار بخفة، متجنبًا الأماكن المكشوفة التي قد تكشف وجوده.

وبعد لحظات، لم يبقَ له أثر، تاركًا خلفه البحيرة وما يدور حولها من تحقيقات.

---

حلّ الصباح أخيرًا.

تسللت أشعة الشمس الأولى عبر النوافذ، ناشرة ضوءًا ذهبيًا خافتًا في أرجاء الغرفة. ومع ارتفاع أصوات الحركة في الخارج، بدأ المكان يستعيد نشاطه تدريجيًا.

فتح أندري عينيه ببطء، ثم نهض من فراشه. مرر يده على وجهه محاولًا التخلص من آثار النوم، وجلس للحظات قبل أن يقف على قدميه.

وبعد أن استعاد نشاطه، ألقى نظرة على ملابسه المهترئة، فتأمل حالها للحظات قبل أن يطلق تنهيدة خفيفة.

كانت أطراف القماش متآكلة، وظهرت عليه آثار الأوساخ والاستخدام المتكرر، بينما فقدت بعض أجزائه شكلها الأصلي. لم يكن مظهرها مناسبًا لشخص يستعد للمشاركة في مسابقة تجمع عددًا كبيرًا من المتنافسين من مختلف الأجناس.

"لا يمكنني الاستمرار في ارتداء هذه الملابس إلى الأبد. سيكون من الغريب أن أتجول دائمًا بدرعي، كما أن مظهري الحالي لا يساعدني على الاندماج مع الآخرين."

لم يطل التفكير في الأمر، بل قرر التوجه إلى أحد المتاجر لشراء ملابس جديدة.

وبعد مدة قصيرة، دخل متجرًا لبيع الملابس. كان المتجر واسعًا نسبيًا، تتوزع فيه رفوف خشبية عُلقت عليها الملابس بألوان وتصاميم مختلفة. وعلى الجدران، وُضعت بعض المرايا التي تسمح للزبائن بتفحص مظهرهم بعد ارتداء ما يختارونه.

وما إن رآه البائع حتى تغيرت ملامحه، وظهرت في عينيه نظرة احتقار واضحة، فقد كانت ملابس أندري متسخة ومهترئة، وكأنه أحد المتشردين الذين اعتادوا التجول في الشوارع.

لم يحاول البائع إخفاء انزعاجه، بل اكتفى بمراقبته من خلف المنضدة، وكأنه ينتظر منه أن يتجول قليلًا ثم يغادر دون شراء أي شيء.

لكن بمجرد أن أخرج أندري بعض المال، تبدلت نظرات البائع على الفور، وتحولت ملامحه المتجهمة إلى ابتسامة ودودة.

اقترب منه البائع، وأصبح صوته أكثر لطفًا مما كان عليه قبل لحظات.

"مرحبًا بك! هل تحتاج إلى مساعدة في اختيار ما يناسبك؟"

تأمل أندري تصرفه للحظات، ثم ألقى عليه نظرة مشوبة بالشفقة.

لم يكن بحاجة إلى قراءة أفكار الرجل حتى يفهم سبب تغير معاملته؛ فقد رأى هذا النوع من السلوك مرات عديدة، حيث تتبدل طريقة التعامل مع الشخص بمجرد ظهور المال أو النفوذ.

"الجميع يتذلل من أجل مصلحته الشخصية. يا له من أمر مثير للشفقة."

لم يُظهر أفكاره على وجهه، بل اكتفى بالتجول داخل المتجر، متفحصًا الملابس المعروضة. مرر أصابعه على بعض الأقمشة، وألقى نظرة سريعة على تصاميم أخرى، لكنه لم يجد بينها ما يستحق اهتمامه.

استمر في التجول حتى وقعت عيناه على بدلة سوداء بسيطة.

توقف أمامها، وتأمل تصميمها بعناية.

لم تكن البدلة مبهرجة، لكنها امتازت بخطوط ذهبية أنيقة أحاطت بقميصها، فبدت متناسقة مع اللون الأسود الذي منحها مظهرًا هادئًا ووقورًا. أما سروالها، فكان مرنًا ومناسبًا للحركة، دون أن يفقد أناقته.

لم يكن التصميم يوحي بالفخامة المبالغ فيها، بل جمع بين البساطة والأناقة، وكأنه صُنع لشخص يريد الظهور بمظهر مميز دون لفت الأنظار بصورة متعمدة.

توقف أندري أمامها للحظات، متأملًا الخطوط الذهبية التي زينتها.

لسبب ما، شعر بأن هذه البدلة تشبهه إلى حد ما. فقد كان اللون الذهبي أحد أبرز ما يميزه، ولا سيما عيناه اللتان تشبهان الذهب الخالص.

تأمل انعكاس الخطوط الذهبية في المرآة القريبة، ثم رفع عينيه نحوها للحظة، وكأنه يحاول تخيل مظهره بعد ارتدائها.

"أعتقد أن هذه مناسبة."

أخذ البدلة واشتراها، ثم ارتداها بعد أن تخلص من ملابسه القديمة.

وعندما انتهى، ألقى نظرة على مظهره الجديد.

بدا مختلفًا تمامًا عما كان عليه من قبل؛ فقد منحته الملابس السوداء مظهرًا أكثر ترتيبًا، بينما أضافت الخطوط الذهبية لمسة من التميز إلى هيئته. كما أن ملاءمة الملابس لجسده جعلته يبدو مستعدًا للحركة، دون أن يتخلى عن أناقته.

لم يعد يبدو كمتشرد يتجول بلا هدف، بل أصبح أشبه بأحد النبلاء الذين اعتادوا الظهور بملابس أنيقة.

غادر المتجر، وسار في الشارع بخطوات هادئة ومتزنة. كان المكان قد بدأ يمتلئ بالمارة، وراحت أصوات الباعة تتداخل مع أحاديث الناس وحركة العربات التي تمر بين المباني.

لم يُبدِ أندري اهتمامًا بنظرات المارة، الذين أخذ بعضهم يتأمله باستغراب. فقد كان مظهره الجديد مختلفًا تمامًا عن مظهره السابق، وهو ما جعل بعضهم يحاول تخمين هويته ومكانته.

"من الواضح أنه أحد النبلاء الذين قدموا لزيارة المنطقة."

كانت تلك بعض الأفكار التي راودت الأشخاص الذين رأوه، لكن أندري لم يكترث بها، بل تابع طريقه نحو متجر للطعام.

---

بمجرد دخوله، استقبله دفء المكان ورائحة الطعام التي انتشرت في أرجائه. كانت الطاولات موزعة في أنحاء المتجر، وجلس عند بعضها أشخاص يتناولون وجباتهم، بينما كان العاملون يتحركون بين الطاولات حاملين الأطباق.

طلب أندري كمية كبيرة من الطعام، ثم جلس وبدأ يأكل بشراهة.

لم يكن يتناول الطعام ببطء كما يفعل معظم الزبائن، بل كان واضحًا أنه يريد تعويض ما فاته من وجبات. تناول الأطباق واحدًا تلو الآخر، ولم يتوقف إلا بعد أن امتلأت معدته، حتى بدا بطنه منتفخًا من كثرة ما تناوله.

ومع ذلك، لم يكن كل الطعام لنفسه، فقد طلب كمية إضافية ووضعها في أوعية مناسبة، ثم حملها وغادر.

كانت وجهته حي المتسولين.

لم يكن أندري غافلًا عن معاناة الجوع، بل كان يعرف جيدًا ما يعنيه أن يعيش المرء دون أن يضمن حصوله على وجبة في اليوم التالي. كان الجوع شعورًا قاسيًا لا يترك للإنسان مجالًا كبيرًا للتفكير في أي شيء آخر، ومع مرور الوقت، قد يصبح مجرد العثور على قطعة خبز كافيًا ليمنحه بعض الراحة.

وربما كان ذلك أحد الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار.

وعندما وصل إلى الحي، وجد مجموعة من المتسولين منتشرين في المكان. جلس بعضهم قرب الجدران، بينما افترش آخرون الأرض، وراح بعض الأطفال يتنقلون بين الأزقة بحثًا عما يمكنهم الحصول عليه.

كانت ملابسهم بالية، وبدت على وجوه الكثيرين آثار التعب والإرهاق. لم يكن المكان يفتقر إلى الحركة، لكنه كان يفتقر إلى أبسط مقومات الراحة التي يحتاج إليها الإنسان ليعيش بكرامة.

اقترب أندري منهم، ثم بدأ يوزع الطعام على الموجودين هناك.

ارتسمت الدهشة على وجوه بعضهم، بينما نظر آخرون إلى الأوعية التي يحملها وكأنهم لا يصدقون ما يرونه. وسرعان ما بدأت الأيدي تمتد لتناول الطعام، وظهرت على بعض الوجوه ملامح ارتياح لم تكن موجودة قبل لحظات.

لكن الأمر اللافت أنه كان قد ارتدى ملابس المتسولين قبل وصوله إليهم، رغم أنه لم يكن مضطرًا إلى ذلك.

لم يكن يريد أن يظهر أمامهم بمظهر مختلف، أو أن يجعلهم يشعرون بالفارق بينهم وبينه. لم يرد أن يبدو كنبيل جاء ليتصدق عليهم من موقعه المرتفع، بل أراد أن يقدم لهم الطعام دون أن يذكّرهم بالفجوة التي تفصلهم عن الآخرين.

لم يكن بحاجة إلى إعلان نواياه أو انتظار كلمات الشكر منهم. اكتفى بمراقبتهم للحظات، ثم واصل توزيع الطعام حتى تأكد من وصوله إلى أكبر عدد ممكن منهم.

وبعد أن انتهى من توزيع الطعام، غادر المكان بهدوء، متجهًا نحو لوحة الإعلانات.

---

كان موعد المسابقة يقترب، ولم يتبقَّ الكثير من الوقت قبل انتهاء التسجيل.

وصل أندري إلى لوحة الإعلانات، وبدأ يتفحص الإعلانات المعلقة عليها. كانت الأوراق مختلفة الأحجام، وقد كُتبت عليها معلومات عن المهمات المتاحة، وإعلانات تخص المتسابقين، وأخبار عن المناطق المحيطة.

توقف أمام اللوحة، وأخذ يقرأ ما لفت انتباهه، إلى أن وقع بصره على إعلان جديد.

اقترب منه وقرأ محتواه بعناية.

كان الإعلان يوضح أن التسجيل سينتهي بعد يومين، وأن منطقة التسجيل تقع في أرض التنانين، بالقرب من الحدود الفاصلة بينها وبين أراضي العمالقة.

تأمل أندري الإعلان للحظات، ثم أطلق تنهيدة.

"آه، المكان بعيد حقًا. ربما أحتاج إلى يوم كامل للوصول إليه. على أي حال، سيبقى لدي يوم واحد للاستعداد."

لم يكن هناك وقت لإضاعته، لذلك عاد إلى مكان إقامته، وبدأ تجهيز كل ما يحتاج إليه خلال رحلته.

جمع أغراضه الضرورية، وتأكد من عدم نسيان أي شيء قد يحتاج إليه أثناء الطريق. لم يكن يريد أن يضطر إلى التوقف في منتصف الرحلة بسبب أمر بسيط كان بإمكانه الاستعداد له مسبقًا.

وبعد أن انتهى، توجه إلى المكان المخصص لاستئجار الأحصنة، ودفع ثمن رحلة إلى المنطقة الحدودية بين أراضي التنانين والعمالقة.

كان المكان يعج بالمسافرين، وتتحرك فيه العربات باستمرار، بينما وقف بعض السائقين قرب أحصنتهم ينادون على الركاب ويعرضون عليهم الرحلات المتاحة.

سرعان ما انطلقت الرحلة، وكان أندري أحد الركاب الذين استقلوا العربة.

اهتزت العربة قليلًا عند تحركها، ثم بدأت عجلاتها تدور فوق الطريق الترابي. ومع ابتعادها عن المنطقة المأهولة، أخذت المباني تتراجع تدريجيًا خلفهم، وحلّت محلها مساحات مفتوحة وأشجار متناثرة على جانبي الطريق.

لم يكن معه سوى شخصين آخرين، وكلاهما من البشر.

ألقى أندري نظرة عابرة على الراكب الأول، فوجد أنه فتى يبدو أصغر منه سنًا بكثير.

كان مظهره يوحي بصغر سنه، ولم يكن يبدو للوهلة الأولى مختلفًا عن أي فتى عادي يسافر إلى وجهته. ومع ذلك، لم يستغرق أندري وقتًا طويلًا قبل أن يلاحظ شيئًا غير مألوف فيه.

لكن ما إن ركز انتباهه عليه حتى شعر بشيء غير مألوف.

كانت قوة الفتى واضحة بالنسبة إليه، بل إن خبرة راكان جعلته يدرك أن هذا الصغير يمتلك قدرات لا يمكن الاستهانة بها.

لم تكن المسألة مجرد انطباع عابر؛ فقد شعر أندري بأن وراء مظهر الفتى الهادئ قوة تستحق الانتباه، رغم أنه لم يكن قادرًا على تحديد مداها بدقة.

"هذا الفتى... يبدو قويًا."

ثم حوّل نظره إلى الراكبة الثانية.

كانت فتاة تبدو أكبر من الفتى، كما بدت أقوى منه أيضًا. جلست بهدوء، ولم يصدر عنها ما يكشف الكثير عن شخصيتها، لكن مظهرها وطريقة جلوسها جعلاها تبدو أكثر نضجًا وثقة.

لم يكن أندري قادرًا على تحديد مستوى قوتها بدقة من النظرة الأولى، لكنه شعر بأنها ليست شخصًا عاديًا.

تأمل الاثنين للحظات، محاولًا تكوين انطباع أولي عنهما، ثم صرف انتباهه عنهما.

لم يكن من الحكمة أن ينشغل كثيرًا بأشخاص لا يعرفهم، خصوصًا أنه لم يكن يعلم ما الذي ينتظره في نهاية هذه الرحلة.

"هل سأتمكن من اجتياز الاختبار؟"

كان السؤال منطقيًا، لكنه لم يكن السؤال الحقيقي الذي يشغل باله.

فالأمر بالنسبة إليه لم يعد متعلقًا بإمكانية النجاح أو الفشل فحسب، بل أصبح النجاح ضرورة لا خيارًا.

لقد أخبره النظام بوضوح أن الفشل يعني الموت.

وإذا أخذ في الحسبان أنه اللاعب رقم 204، فهذا يعني أن 203 لاعبين سبقوه إلى هذه التجربة، وانتهى مصيرهم بالموت.

لم يكن لديه أدنى رغبة في أن يصبح الرقم التالي في تلك القائمة.

ظل أندري صامتًا للحظات، بينما استمرت العربة في التقدم عبر الطريق الطويل. لم يكن يعرف ما إذا كان اللاعبون السابقون قد فشلوا بسبب ضعفهم، أم بسبب صعوبة الاختبارات، أم لأن النظام نفسه كان يخفي عنهم شيئًا لم يتمكنوا من اكتشافه.

لكنه لم يكن مستعدًا للسماح لهذا المصير بأن يتكرر معه.

"لن أفشل."

قالها في نفسه بهدوء، ثم أغمض عينيه محاولًا استغلال الوقت في الراحة.

---

في مكان آخر، كانت رودرينا قد وصلت بالفعل إلى المساكن المخصصة للمتسابقين في أرض التنانين.

كانت المباني المخصصة للإقامة تمتد على مساحة واسعة، وقد صُممت لاستقبال أعداد كبيرة من المشاركين القادمين من مناطق مختلفة. انتشرت الممرات بين المباني، وراح المتسابقون يتحركون في المكان، بعضهم يبحث عن غرفته، وبعضهم الآخر يتبادل الحديث مع رفاقه استعدادًا للمسابقة.

وقفت رودرينا إلى جانب أخيها الأكبر، الذي كان حضوره وحده كافيًا لإظهار مدى قوته. فقد كانت هالته تبعث على الهيبة، حتى دون أن يحتاج إلى استعراض قدراته.

كان وقوفه هادئًا، لكن مظهره وطريقة تعامله مع المكان أوحيا بأنه شخص اعتاد تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات الصعبة. أما رودرينا، فبدت منشغلة بالتفكير في المسابقة وما قد تحمله لها من فرص وتحديات.

التفت إليها أخوها وقال:

"رودرينا، كما تعلمين، تنقسم المسابقة إلى قسمين. الأول مخصص للعامة والنبلاء، والثاني مخصص للقوى العظمى التي تمثل الأجناس المختلفة، مثل ملوك السيوف لدى البشر ورعب التنانين لدى التنانين، إلى جانب العديد من الشخصيات والقوى الرئيسية لدى الأجناس الأخرى."

توقف قليلًا، وكأنه يمنحها فرصة لاستيعاب ما يقوله، ثم تابع:

"لهذا السبب، أخبرتك أن تختاري مسابقة العامة والنبلاء. قدراتنا الحالية لا تكفي لمواجهة القوى العظمى للأجناس، ولن يكون دخولنا في منافسة مباشرة معها قرارًا حكيمًا."

لم تكن كلماته نابعة من التقليل من شأنها، بل من إدراكه للفارق الكبير بين مستوى القوى التي تتنافس في كل قسم. فقد كان يعلم أن الطموح وحده لا يكفي لتجاوز الفجوة بين المتنافسين، وأن معرفة حدود المرء جزء أساسي من اتخاذ القرار الصحيح.

نظرت رودرينا إليه، وقد ارتسم الحزن في عينيها.

لم تكن ترغب في الاعتراف بأن الطريق الذي تتمناه لا يزال بعيدًا عنها، لكنها في الوقت نفسه لم تستطع تجاهل الحقيقة التي تحدث عنها أخوها.

"لكن العامة والنبلاء ليسوا سوى بيادق في هذه المسابقة. أما المسابقة الحقيقية، تلك التي يمكن أن تؤثر في مصير العالم، فهي التي تخوضها القوى العظمى."

لم يبدُ على أخيها الانزعاج من كلماتها، بل ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه لم يجد في كلماتها ما يدعو إلى القلق.

"ما هذا التفكير يا رودرينا؟ ألم أعلمك أن النور قد يظهر أحيانًا في أحلك لحظات الظلام؟ وأحيانًا يكون ذلك النور أكثر دفئًا من الشمس نفسها."

توقف للحظة، ثم أضاف بنبرة هادئة:

"لذلك، ابذلي قصارى جهدك للفوز بمسابقة العامة والنبلاء. إذا كان أداؤك جيدًا، فسيكون لذلك تأثير إيجابي. ولا تنسي أن المنافسة لا تقتصر على البشر وحدهم، بل تشمل أجناسًا أخرى أيضًا. فعندما أتحدث عن النبلاء، فإنني أقصد نبلاء البشر والألف والعمالقة والتنانين وغيرهم."

ثم نظر إليها بجدية أكبر، وقد اختفت الابتسامة الخفيفة عن وجهه.

"حتى هذه المسابقة لن تكون سهلة. ستواجهين منافسين يمتلكون قدرات قد تفوق قدراتك بكثير، لذلك لا تستهيني بأحد، وابذلي كل ما لديك."

ظلت رودرينا صامتة للحظات، وهي تفكر في كلام أخيها.

كانت تدرك أن المسابقة لن تكون مجرد اختبار للقوة، بل فرصة لإثبات قدراتها أمام عدد كبير من المنافسين. ومع ذلك، لم تستطع التخلص من شعورها بأن ما ينتظرهم أكبر بكثير من مجرد مسابقة، وأن الفارق بين القوى العظمى وبقية المشاركين قد يكون له تأثير يتجاوز النتائج التي ستُعلن في النهاية.

لم تكن تجهل الفارق بين القوى العظمى وبقية المشاركين، لكنها لم تستطع التخلص من شعورها بأن ما ينتظرهم أكبر بكثير من مجرد مسابقة.

ومع ذلك، لم تجادله مجددًا.

لقد اتخذت قرارها بالفعل، وكانت عازمة على بذل قصارى جهدها.

---

بعد رحلة طويلة، وصلت العربة أخيرًا إلى وجهتها.

توقفت العربة تدريجيًا، وخفت صوت عجلاتها حتى استقرت تمامًا. فتح أندري عينيه، ثم نهض وغادر العربة. وما إن وطئت قدماه الأرض حتى استعاد نشاطه، وألقى نظرة على المنطقة المحيطة به.

كان المكان يعج بالحركة، فقد وصل عدد كبير من المتسابقين من أجناس مختلفة، وكل منهم يحمل طموحاته الخاصة ويأمل في تحقيق نتيجة مميزة في المسابقة.

امتدت أمامه طرق واسعة تؤدي إلى مبانٍ متعددة، بينما انتشرت الحشود في كل اتجاه. كان بعض المتسابقين يرتدون دروعًا ثقيلة، ويحملون أسلحة كبيرة، في حين اكتفى آخرون بملابس بسيطة لم تكشف عن طبيعة قدراتهم. ومع ذلك، كان من الواضح أن معظم الموجودين لم يأتوا إلى هذا المكان من أجل التنزه أو قضاء الوقت.

لقد جاؤوا جميعًا من أجل المسابقة.

استدعى أندري درعه وسيفه، ثم ارتداهما، وظهرت على وجهه نظرة حادة مفعمة بالحماس.

كان الدرع يحيط بجسده، بينما استقر السيف في موضعه، مستعدًا للاستخدام عند الحاجة. وعلى الرغم من أن مظهره قد يجذب بعض الأنظار، فإنه لم يُبدِ أي اهتمام بذلك.

لم يكن قد جاء إلى هنا لمجرد المشاركة.

كان عليه أن يفوز.

اتجه نحو مركز تسجيل المتسابقين، وما إن دخل حتى فوجئ بالعدد الهائل من الأشخاص الموجودين في الداخل.

كان المكان واسعًا، تتوزع فيه مكاتب التسجيل على امتداد القاعة، ويقف خلفها موظفون يتولون استقبال المشاركين وتدوين بياناتهم. ارتفعت أصوات الأحاديث في الأرجاء، واختلطت أصوات البشر بأصوات الأجناس الأخرى، بينما تحرك المتسابقون بين المكاتب في انتظار دورهم.

كان هناك بشر وألف وتنانين وعمالقة، إلى جانب أجناس أخرى لم يتمكن من تحديد هويتها من النظرة الأولى.

بعضهم بدا قريبًا من هيئة البشر، بينما امتلك آخرون ملامح غريبة يصعب تجاهلها. وقد كان اختلاف الأحجام والأشكال واضحًا في المكان، حتى إن مجرد الوقوف وسط هذا الحشد كان كافيًا لإدراك مدى اتساع العالم الذي يعيش فيه.

وبينما كان يشق طريقه وسط الحشود، اصطدم جسده بشيء ضخم.

كان الاصطدام مفاجئًا بما يكفي ليجبره على التوقف للحظة.

رفع رأسه، فوجد نفسه أمام عملاق هائل الجثة، عريض الكتفين، يمتلك عينين واسعتين وأنيابًا ضخمة بارزة من فمه.

كان الفرق في الحجم بينهما واضحًا؛ إذ بدا العملاق ضخمًا حتى بالمقارنة مع معظم الموجودين في القاعة. وقد انعكست الإضاءة على أنيابه البارزة، بينما ارتسمت على وجهه ملامح استياء واضحة بعد الاصطدام.

نظر العملاق إليه باحتقار، وكأنه يرى أمامه شخصًا لا يستحق حتى أن يلتفت إليه.

لكن أندري لم يمنحه أي اهتمام، بل تابع سيره وكأن شيئًا لم يحدث.

لم يعتذر، ولم يحاول استفزازه، كما لم يبدُ عليه الغضب. اكتفى بتجاوز العملاق ومواصلة طريقه، وكأنه لم يكن سوى عائق صغير اعترض طريقه للحظات.

لم يبدُ عليه الغضب، ولم يحاول الدخول في شجار لا فائدة منه.

كان هدفه واضحًا، ولم يكن مستعدًا لإضاعة وقته بسبب شخص متعجرف.

واصل طريقه حتى وصل إلى مكتب التسجيل، حيث كان يجلس موظف بدا شبيهًا بالبشر، باستثناء القرنين الأحمرين اللذين يبرزان من رأسه والجرح العميق الممتد على وجهه.

كان القرنان واضحين فوق رأسه، وقد امتد الجرح على جانب وجهه، تاركًا أثرًا بارزًا على بشرته. أما ملامحه، فبدت جادة، وكأن التعامل مع المتسابقين طوال اليوم لم يترك له الكثير من الوقت للراحة.

رفع الموظف رأسه ونظر إلى أندري، ثم سأله بنبرة رسمية:

"ما اسمك؟ وأي المسابقتين تريد المشاركة فيها؟"

وقبل أن يتمكن أندري من الإجابة، ظهرت أمام عينيه شاشة النظام.

[مهمة جديدة: اجتز مسابقة القوى العظمى.]

تجمد أندري في مكانه للحظة.

لم يكن يتوقع ظهور مهمة جديدة في هذا التوقيت، خصوصًا أنه لم يكن قد أكمل حتى إجراءات التسجيل. حدق في الكلمات التي ظهرت أمامه، وكأنه يأمل أن تكون هناك مشكلة في قراءتها، لكن النص ظل واضحًا أمام عينيه.

"هل تمزح معي؟! هل تحاول إعدامي بطريقة غير مباشرة؟!"

لم يستطع إخفاء استيائه من المهمة الجديدة، لكنه سرعان ما أعاد تركيزه على الكلمات التي ظهرت أمامه.

[شرط النجاح: الفوز في المسابقة.]

حدق أندري في الشاشة، وشعر برغبة حقيقية في الإمساك بالنظام وتحطيمه.

لم تكن المشكلة في صعوبة المهمة وحدها، بل في الطريقة التي فُرضت بها عليه، وكأن النظام يتعمد دفعه إلى مواجهة مخاطر لا يعرف عنها شيئًا.

"يا لك من نظام سخيف!"

لكنه لم يسمح لغضبه بالسيطرة عليه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم هدأ تدريجيًا.

لسبب ما، لم يكن يشعر بالخوف الذي قد يتوقعه المرء من شخص وُضع أمام تحدٍّ كهذا.

ربما كانت خبرة راكان أحد الأسباب التي جعلته أكثر هدوءًا وأقل اكتراثًا بالمخاطر، أو ربما كان قد اعتاد بالفعل على أن يجد نفسه في مواقف لا تمنحه فرصة للاختيار.

على أي حال، لم يكن الغضب سيغير شيئًا من الواقع. فإذا كان النظام قد قرر فرض هذه المهمة عليه، فعليه أن يجد طريقة للتعامل معها، سواء أعجبه الأمر أم لا.

في النهاية، رفع رأسه ونظر إلى الموظف.

"أريد المشاركة في مسابقة القوى العظمى."

توقف الموظف عن الكتابة، ثم رفع عينيه إليه بتعجب.

لم يكن الطلب غريبًا في حد ذاته، لكن المشكلة كانت في الشخص الذي تقدم به؛ فأندري لم يُظهر أي علامة تدل على انتمائه إلى إحدى القوى العظمى، ولم يكن هناك ما يشير إلى أنه يحمل اسم عائلة معروفة.

"ما اسم عائلتك؟"

أجاب أندري دون تردد:

"ليست لدي عائلة."

تأمله الموظف للحظات، وكأن إجابته أثارت استغرابه. ثم ألقى نظرة سريعة على البيانات التي أمامه، قبل أن يعيد انتباهه إلى أندري.

"إذا لم تكن منتميًا إلى إحدى القوى العظمى، فعليك أولًا المشاركة في مسابقة العامة والنبلاء. ولن يُسمح لك بالانتقال إلى مسابقة القوى العظمى إلا إذا حصلت على أحد المراكز الثلاثة الأولى."

توقف قليلًا، ثم تابع موضحًا:

"هذه هي الطريقة الوحيدة المتاحة لمن لا ينتمي إلى إحدى القوى العظمى. إذا أردت المشاركة معهم، فعليك إثبات جدارتك أولًا."

ظل أندري يحدق فيه بصمت.

كان يشعر برغبة في الإمساك بالنظام وسحقه، فبسببه لم يعد النجاح في مسابقة واحدة كافيًا. أصبح مضطرًا إلى اجتياز مسابقتين متتاليتين، رغم أن الثانية تضم خصومًا لا يعرف شيئًا عن قدراتهم الحقيقية.

كان الأمر أشبه بإجباره على تسلق درج طويل، دون أن يعرف عدد درجاته أو ما ينتظره في نهايته. ومع ذلك، لم يكن أمامه خيار آخر.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم أجاب:

"حسنًا."

عاد الموظف إلى عمله، وبدأ بتسجيل بياناته على الأوراق المخصصة للمشاركين. وبعد أن انتهى من الإجراءات اللازمة، ناوله رقم الغرفة المخصصة له، وأشار إلى الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه للوصول إلى المساكن.

أخذ أندري الرقم، ثم استدار واتجه نحو المساكن المخصصة للمتسابقين.

كان الاختبار الحقيقي على وشك أن يبدأ.

More Chapters