عندما انتهى أندري من التفكير، قرر أخيرا أن يبدأ بالصيد قبل أن يتعمق أكثر في الغابة. لم يكن يريد التقدم بلا هدف، خصوصا بعد أن أدرك أن الوحوش هنا قد تكون مرتبطة بكيان أقوى يتحكم بها.
اتجه بين الأشجار حتى اقترب من شجرة ضخمة ذات جذع عريض، ثم أمسك بأحد فروعها وصعد إلى الأعلى. كانت حركاته أسرع بكثير مما اعتاد عليه. الزيادة التي حصل عليها في إحصائياته انعكست بوضوح على جسده، فأصبح الصعود أسهل وأسرع، كما أن قوته وقدرته على التحكم بحركاته تحسنت بشكل ملحوظ.
استقر فوق أحد الفروع العالية وأغمض عينيه، محاولا عزل أصوات الغابة من حوله. لم يعتمد هذه المرة على بصره، بل ركز كل انتباهه على الإحساس بطاقة الوحوش.
بعد لحظات بدأ يشعر بها.
كانت هناك طاقات كثيرة تتحرك في أعماق الغابة، لكنها بعيدة جدا عن موقعه. بعضها يتحرك بسرعة، بينما بقي بعضها في أماكنه لفترات طويلة قبل أن يتحرك من جديد.
فتح أندري عينيه ببطء.
ثلاث طاقات كانت أقرب إليه بكثير.
هبط من الشجرة دون إصدار صوت تقريبا، ثم تحرك باتجاه مصدر تلك الطاقات. حافظ على تخفيه بين الأشجار حتى وصل إلى مكان قريب منهم.
اختبأ خلف جذع شجرة، فرأى ثلاثة ذئاب ضخمة تلتهم جثة ذئب عادي.
كانت أجسادها أكبر بكثير من الذئاب العادية، وأنيابها الطويلة بارزة من أفواهها. كان المشهد غريبا ومحزنا بعض الشيء، فحتى الذئب الذي ينتمي إلى النوع نفسه أصبح فريسة لهم.
بقي أندري يراقبهم وهو يفكر في أفضل طريقة للقضاء عليهم بأقل قدر ممكن من الضرر. القتال السابق ضد القرد أتعبه قليلا، ورغم أن ارتفاع إحصائياته منحه قوة أكبر، إلا أن جسده ما زال يتعب أثناء القتال.
وبينما كان ينتظر، ابتعد أحد الذئاب قليلا عن البقية بعدما انتهى من التهام جزء من الجثة.
استغل أندري الفرصة واقترب منه بحذر، لكن الذئب توقف فجأة ورفع رأسه مستنشقا الهواء.
لقد التقط رائحة أندري.
وفي اللحظة التي استدار فيها نحوه، كان أندري قد أمسك بسيفه.
لم يستغرق الأمر سوى أقل من ثانية.
اندفع السيف في حركة سريعة وحاسمة، وسقط رأس الذئب على الأرض قبل أن يتمكن من الهجوم.
خرجت الأيادي السوداء من جسده وامتصت طاقة حياته، فذبل جسده بسرعة. وفي اللحظة نفسها شعر أندري بقوة تتدفق إلى جسده وتزيد من قوته.
لم يمنحه المشهد وقتا للتفكير.
التفت الذئبان الآخران إليه واندفعا نحوه.
تراجع أندري خطوة وأمسك سيفه، ثم اتجه مباشرة نحو أحدهما. قفز الذئب محاولا غرس أنيابه فيه، لكن أندري أمسك بأحد أنيابه واستغل قوة اندفاعه ليغير مساره، ثم دفعه بعيدا حتى ارتطم بالأرض.
في اللحظة نفسها اندفع الذئب الآخر.
رفع أندري سيفه وتجنب عضته، ثم تحرك إلى جانبه وغرس سيفه في عنقه. سحب السيف إلى الأعلى بقوة حتى سقط الذئب على الأرض بلا حراك.
خرجت الأيادي السوداء من جسده وامتصت طاقته، فشعر أندري بالقوة تزداد داخله مرة أخرى.
أما الذئب الثالث فكان قد وصل إليه بالفعل.
اندفعت مخالبه نحو أندري بسرعة، ولم يكن أمامه وقت كاف لتفادي الضربة بالكامل.
اصطدمت المخالب بدرعه.
صدر صوت حاد من الاصطدام، لكن الدرع لم يتضرر، بينما ارتدت يد الذئب إلى الخلف بسبب صلابته.
كانت تلك اللحظة كافية.
استغل أندري الفرصة دون تردد، اندفع إلى الأمام وطعن الوحش عدة مرات حتى بدأت مقاومته تضعف، ثم سقط الذئب على الأرض بلا حراك. وما إن فارقت الحياة جسده حتى خرجت الأيادي السوداء منه وامتصت ما تبقى من طاقته، لتنتقل تلك الطاقة إلى أندري وتمنحه دفعة أخرى من القوة.
ثم ظهرت شاشة النظام فجأة.
القوة: 6
الخبرة: 6
الرشاقة: 6
التحمل: 6
عدد القتلى: 5
تأمل أندري الإحصائيات للحظات ثم قال بسخرية خفيفة:
"يعني كل واحد منهم أعطاني نقطة فقط. كان القرد أفضل منهم. إذا بقي الحال هكذا فستكون مشكلة، ففي النهاية اذا يجب أن أتعمق أكثر."
اختفت الشاشة، وتقدم أندري وبدأ السير نحو أعماق الغابة.
كلما ابتعد عن المنطقة الأولى، أصبحت الأشجار أكثر كثافة، وامتدت أغصانها المتشابكة فوقه حتى حجبت جزءا كبيرا من ضوء الشمس. كانت الأرض مغطاة بطبقة من الأوراق اليابسة، وبين الحين والآخر كان يسمع أصواتا بعيدة لوحوش تتحرك بين الأشجار.
ظل أندري يسير بحذر، مستشعرا الطاقات من حوله، حتى شعر بوجود طاقة مختلفة أمامه.
توقف وأمعن النظر بين الأشجار.
على مسافة ليست بعيدة، لمح دبين ضخمين يتجولان بين الأشجار. كان حجمهما أكبر بكثير من الدب العادي، وكانت أجسادهما مغطاة بفرو كثيف، بينما بدت مخالبهما الطويلة واضحة كلما تحركا.
راقبهما أندري لبضع لحظات دون أن يقترب.
كانت طاقتهما أقوى من الوحوش التي واجهها قبل قليل.
"يبدوان قويين... يبدو أنني وجدت مرادي."
وفي مكان آخر من الغابة، كانت رودرينا ومجموعتها تخوض معركة شرسة ضد عدد كبير من الوحوش.
كان غين يقف في المقدمة، يتلقى الهجمات ويمنع الوحوش من الوصول إلى بقية المجموعة، بينما كانت سيرا تستغل المسافة وتطلق هجماتها من الخلف.
أما كايرو فكان يتحرك بين الأشجار بحثا عن أفضل زاوية لإطلاق سهامه، في حين بقيت ناريا خلفهم تعالج إصابات أفراد المجموعة كلما سنحت لها الفرصة.
استمر القتال حتى لم يبق سوى وحش واحد.
اندفع الوحش فجأة نحو ناريا، وكانت المسافة بينهما تضيق بسرعة.
لكن قبل أن يصل إليها، انطلق سهم من بين الأشجار واخترق رأسه.
سقط الوحش على الأرض، وساد الهدوء المكان بعد انتهاء المعركة.
أنزل كايرو قوسه وقال وهو يلتقط أنفاسه:
"انتهينا أخيرا."
ابتعدت المجموعة قليلا عن ساحة القتال، ثم جلست في مكان أكثر أمنا. اقترب أفراد المجموعة من ناريا وبدأت بمعالجة جروحهم، بينما بقيت رودرينا صامتة وهي تنظر إلى الغابة المحيطة بهم.
بعد أن اطمأنت على بقية المجموعة، ابتعدت رودرينا قليلا لتستكشف المنطقة.
كانت الأشجار أكثر هدوءا كلما ابتعدت عن مكان القتال، ولم تعد أصوات الوحوش واضحة كما كانت من قبل. وبعد فترة من السير، ظهر أمامها ضوء انعكس بين جذوع الأشجار.
واصلت التقدم حتى وصلت إلى بحيرة تتوسط الغابة.
كانت المياه هادئة، تحيط بها الأشجار من جميع الجهات، ولم يكن سطحها يتحرك سوى بتموجات خفيفة.
وبينما كانت رودرينا تتأمل المكان، اقترب طائر صغير من حافة البحيرة وبدأ يشرب الماء.
بقيت تراقبه دون اهتمام كبير.
وبعد أن انتهى الطائر، ابتعد عن البحيرة وفتح جناحيه استعدادا للطيران.
لكن قبل أن يرتفع في الهواء، ظهر جرح في بطنه.
توقفت رودرينا مكانها.
بدأت ديدان كثيرة بالخروج من الجرح، وانتشرت داخل جسد الطائر وخارجه.
ارتجف جسده بعنف، ثم بدأ يكبر أمام عينيها. تضخم حجمه مقارنة بحجمه الأصلي، وامتد منقاره ليصبح أطول بقليل، بينما استمرت الديدان في التحرك داخل جسده.
بقيت رودرينا تحدق فيه بدهشة حتى توقف الطائر عن الحركة.
أخذت تنظر إلى البحيرة ثم إلى الطائر من جديد، وبدأت تربط ما رأته بما حدث للوحوش التي واجهتها في وقت سابق.
"إذن الماء هو السبب..."
كانت رودرينا قد اكتشفت أخيرا مصدر التحول الذي يصيب الحيوانات.
وفي أعماق الغابة، كان أندري قد أنهى قتاله مع الدبين.
كانت جثتاهما ملقاتين على الأرض، بينما وقف أندري أمامهما بصعوبة.
كانت حالته يرثى لها، وانتشرت الجروح على جسده، وكانت أنفاسه ثقيلة من شدة الإرهاق.
ومع ذلك، بقيت على وجهه ابتسامة ساخرة.
ظهرت شاشة النظام أمامه.
القوة: 14
الخبرة: 14
الرشاقة: 14
التحمل: 14
عدد القتلى: 7
نظر أندري إلى الإحصائيات، ثم مسح الدم عن جانب وجهه.
"أربعة عشر... هذا أفضل بكثير. يبدو أن التعمق في الغابة كان القرار الصحيح."
كان قد تجاوز بالفعل العلامات الصفراء التي حذره منها موظف مركز المحاربين، ودخل إلى المنطقة التي تقبع فيها الوحوش الأكبر والأقوى.
استعد أندري للنهوض، لكنه توقف عندما لاحظ حركة بالقرب من جثتي الدبين.
تحرك أحد جذوع الأشجار القريبة.
امتدت منه جذور وأغصان طويلة، والتفت حول إحدى الجثتين قبل أن تسحبها بسرعة إلى داخل الغابة.
اتسعت عينا أندري وهو يراقب المشهد.
"هل هناك شخص يستخدم سحر الجذوع..."
لم ينتظر طويلا. نهض وتبع الجثة بحذر، متخفيا بين الأشجار حتى لا يكشف وجوده.
وبعد مسافة قصيرة، رأى جذوعا أخرى تتحرك بين الأشجار وتسحب جثث وحوش مختلفة في الاتجاه نفسه.
أصبح الأمر أكثر غرابة كلما تقدم.
ظل أندري يتبعها حتى سمع فجأة صوت تكسير قادما من الأمام.
توقف واختبأ خلف إحدى الأشجار، ثم أطل من جانبها بحذر.
ظهرت أمامه شجرة متوسطة الحجم، وكانت تحيط بها جذوع كثيرة تتحرك من تلقاء نفسها، وكل واحد منها يسحب جثة باتجاهها.
وعندما وصلت الجثث إلى الشجرة، انفتح جذعها من المنتصف، وكأنها تمتلك فما ضخما، ثم بدأت تلتهم الحيوانات واحدة تلو الأخرى.
ظل أندري يراقب بصمت، غير قادر على فهم ما يراه.
"ما هذا الشيء..."
قبل أن يتمكن من التفكير أكثر، انتهت الشجرة من التهام جميع الجثث.
بدأت أوراقها تتساقط بسرعة، وجفت جذورها أمام عينيه، ثم أخذ جذعها يذبل ويتشقق.
وفي لحظة انشق الجذع إلى نصفين.
خرج من داخله وحش ضخم إلى درجة هائلة.
كان يمتلك أربع أيد ضخمة، بينما كان رأسه مغطى بالكامل بالأغصان المتشابكة. غطى اللحم والفراء معظم جسده، وكان صدره عريضا لدرجة أن قلبين ضخمين ظهرا بداخله بوضوح.
أما ساقاه فكانتا ضخمتين ومغطاتين بالفراء.
خرج الوحش من الشجرة كما لو أنه كان داخل شرنقة، ثم بدأ بالسير ببطء.
كانت الأرض تهتز تحت قدميه مع كل خطوة، وتتحرك الأوراق اليابسة من حوله بسبب ثقل جسده.
توقف الوحش فجأة.
لقد شعر بوجود أندري.
لكن قبل أن يلتفت إليه، اندفعت إحدى يديه إليه بسرعة هائلة وضربت أندري، تاركة جرحا صغيرا في يده.
نظر الوحش إلى الجرح دون مبالاة.
وفي الوقت نفسه لاحظ أندري أن الإصابة بدأت تلتئم بسرعة، حتى اختفى أثرها تماما وكأنها لم تكن موجودة.
وقبل أن يتمكن من التفكير في الأمر، انطلقت ثلاثة أسهم نحو الوحش.
مد إحدى يديه وأمسك بالسهام الثلاثة دفعة واحدة.
خرج ثلاثة محاربين من خلف الأشجار.
كانوا يبدون أقوياء، وشعر أندري بالطاقة العالية المنبعثة من أجسادهم، لكنه شعر أيضا بالطاقة المرعبة التي تحيط بالوحش.
كانت الفجوة بينهما واضحة.
تقدم أحد المحاربين، فقال له رفيقه:
"رويدك يا أريس. رغم أنه مولود جديد، فسلالته تعتبر قوية حتى وهي صغيرة."
قال المحارب الثالث:
"ماذا بك يا دارين. قتل وحش كهذا قد يجعلنا أغنياء إذا حافظنا على جثته، وكما ترى نحن الثلاثة لن يكون التعامل معه مشكلة أبدا."
لكن الوحش لم يهتم بكلامهم.
ظل يحدق في يده الرابعة.
وفجأة انفجر جرح كبير في تلك اليد، وخرجت منه ديدان كثيرة أخذت تتحرك فوق اللحم.
تغيرت نظرة أندري.
تذكر الدبين اللذين سحبت جذوع الأشجار جثتيهما، ثم تذكر أن الوحش امتصهما بعد تحولهما، على عكس بقية الجثث السليمة.
بدأ يفهم شيئا، لكن الوحش لم يمنحهم وقتا للتفكير.
انشق الجزء الذي يغطي وجهه فجأة، وكشف عن فم ضخم امتلأ بأنِياب حادة بدت وكأنها مصنوعة من جذور ملتوية.
عض الوحش يده الرابعة بقوة واقتلعها من مكانها.
تراجع المحاربون الثلاثة للحظة، ثم اندفعوا نحوه مستغلين فقدانه لإحدى يديه، معتقدين أن تلك كانت فرصتهم.
تحركت إحدى يدي الوحش بسرعة أسرع من أن تتمكن أعينهم من متابعتها.
في اللحظة التالية وجه ضربة إلى أريس حطمت جسده وأسقطته أرضا.
حاول دارين والمحارب الثالث الهجوم، لكن الوحش كان أسرع منهما.
وجه ضربة أخرى إلى دارين، ثم ضرب المحارب الأخير وأسقطهما بلا حراك.
بقي أندري مختبئا خلف الشجرة، يراقب المشهد بصمت.
أما اليد التي اقتلعها الوحش من جسده، فقد رفعها نحو الأعلى حتى لامستها أشعة الشمس المتسللة بين أغصان الأشجار.
وفي اللحظة التي لامستها أشعة الشمس، بدأ اللحم والفرو بالنمو من جديد، تماما كنبتة تنمو تحت ضوء الشمس.
امتدت الأنسجة فوق العظام، ثم عادت العضلات والفرو إلى مكانهما، وبدأت أصابع جديدة بالظهور حتى اكتملت اليد.
بقي أندري يراقب المشهد بدهشة.
وبعد اكتمال نمو اليد، نظر الوحش إلى اليد التي قطعها، حيث كانت الديدان لا تزال تأكل ما تبقى منها.
رفع رأسه ببطء.
ثم اتجه نظره نحو الجهة الأخرى من الغابة.
نحو المكان الذي تقع فيه البحيرة.
