ظل الوحش يحدق في اتجاه البحيرة، بينما كان أندري يراقبه من خلف الأشجار بصمت. كانت أفكار كثيرة تدور في رأسه، وكلما حاول الوصول إلى تفسير لما يحدث وجد احتمالات أكثر إزعاجا من سابقتها.
لكن الاستمرار في التفكير لن يغير شيئا.
لذلك أوقف أندري أفكاره وركز على مراقبة الوحش.
وفجأة التفت الوحش نحوه.
شعر أندري بنظرته تستقر مباشرة على مكان اختبائه خلف الأشجار. لقد اكتشف وجوده.
ومع ذلك، لم يتحرك الوحش نحوه.
ظل يحدق به للحظات بنظرة باردة ومحتقرة. لم تكن نظرة مخلوق وجد خصما يستحق القتال، بل نظرة شيء أقوى بكثير ينظر إلى حشرة صغيرة لا تستحق حتى أن يمد يده لسحقها.
كان الاحتقار واضحا في عينيه.
ثم أدار الوحش جسده وتابع سيره، متجاهلًا أندري وكأنه لم يكن يستحق منه أي اهتمام.
اهتزت الأرض تحت خطواته الثقيلة، وارتجفت الأشجار القريبة مع كل خطوة يخطوها، بينما أخذ يبتعد دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات مرة أخرى.
ظل أندري يراقبه حتى ابتعد مسافة مناسبة، ثم ضيق عينيه.
"أعتقد أنه اكتشف أمري، لكنه تجاهلني. تلك النظرة كانت كأنه ينظر إلى شيء دنيء جدا. على كل حال، ضعفي أنقذني."
ظل أندري ساكنا للحظات، ثم بدأ يفكر في سبب رحيل الوحش.
"اتباعه قد يقودني إلى مصدر الديدان. ربما تكون هناك هدية بانتظاري... وربما يكون العكس تماما. من لا يخاطر فلن يكسب شيئا. ومن يدري، ربما أحصل على فرصة لأرد له تلك النظرة وأقتلع عينه."
تحرك أندري خلفه ببطء.
لم يكن غبيا بما يكفي للاقتراب منه مباشرة، لذلك حافظ على مسافة متوسطة بينهما، واستغل الأشجار الكثيفة لإخفاء وجوده. كان يتحرك عندما تبتعد خطوات الوحش عنه، ويتوقف عندما يشعر أن المسافة أصبحت أقصر، محاولا ألا يمنحه فرصة لاستشعار وجوده مرة أخرى.
وفي مكان آخر من الغابة، كانت فرقة رودرينا لا تزال بالقرب من البحيرة.
كانت رودرينا قد أخبرتهم بكل ما رأته في البحيرة و عن الطائر الذي تحول لذالك قررو الانتضار
لكن رغم بقائهم بالقرب من البحيرة ومراقبتها لفترة طويلة، لم يظهر أي وحش.
كانت المياه هادئة بشكل غريب.
لا حركة على سطحها، ولا صوت يأتي من أعماقها، وكأن البحيرة تخفي شيئا في قاعها وتنتظر فقط أن يقترب منها أحد.
ظلت رودرينا تراقب سطح الماء للحظات، ثم حسمت أمرها والتفتت إلى سيرا وأشارت نحو الجثث الموجودة بالقرب منهم.
"سيرا، استخدمي إحدى الجثث. نحتاج إلى معرفة ما الذي يختبئ في البحيرة."
أومأت سيرا واتجهت نحو إحدى الجثث. انحنت فوقها وبدأت بإلقاء التعاويذ، فتجمعت الطاقة السحرية حول جسد المخلوق الميت، وظهرت علامات سحرية على جلده.
استمرت في العمل لبعض الوقت، لكن التعب بدأ يظهر على وجهها. واصلت تحريك يديها وإلقاء التعاويذ، ثم تحدثت إلى رودرينا دون أن تتوقف.
"رودرينا، سيستغرق الأمر بعض الوقت. أعطيني جرعة من إكسير استعادة المانا. تحويل جثة إلى دمية يستهلك كل المانا الموجودة في جوهري."
أخرجت رودرينا الإكسير من حقيبتها ومدته إليها.
"خذي هذا."
أمسكت سيرا بالجرعة وشربتها دفعة واحدة، ثم عادت إلى تعاويذها دون إضاعة المزيد من الوقت.
مرت عدة دقائق.
ثم ارتجف جسد المخلوق الميت.
تحركت أطرافه ببطء، وارتفع جسده عن الأرض رغم الجروح التي شوهته، ثم وقف على قدميه بحركات غير طبيعية. كانت ملامح الموت لا تزال واضحة عليه، لكن عينيه أصبحتا بلا حياة، وتحرك جسده وفقا لإرادة سيرا.
رفعت سيرا يدها نحو البحيرة.
"اذهب."
تحركت الدمية نحو الماء، بينما بقي أفراد الفرقة في أماكنهم يراقبونها.
لم تكن رودرينا مستعدة للمخاطرة بنفسها. إذا كان ما يختبئ في البحيرة من مستوى سيد الوحوش، فلن يكون أمامهم مجال كبير للهرب إذا اقتربوا منه دون معرفة قوته.
اقتربت الدمية من حافة البحيرة وبدأت تتحرك حولها ببطء.
ومن خلال عيني الدمية، رأت سيرا كل شيء.
في البداية لم يحدث شيء.
ثم تحرك الماء.
بدأ سطح البحيرة يقترب من الدمية بطريقة غريبة. ارتفعت المياه قليلا وتحركت نحوها وكأنها تستدعيها.
وكأن البحيرة نفسها تريد منها أن تشرب.
راقبت سيرا المياه وهي تقترب أكثر فأكثر، لكن الدمية لم تستجب.
لم تشرب.
لم تتحرك.
وفجأة تغيرت المياه.
اهتز سطح البحيرة بعنف، وارتفعت الأمواج حول الدمية، وبدأ الماء يضرب الأرض بقوة. لم تعد الحركة طبيعية، وكأن شيئا في أعماق البحيرة أدرك أن الطعم لم ينجح.
رفعت رودرينا يدها قليلا.
"استعدوا."
لم يمهلهم ما ظهر بعد ذلك وقتا.
انفجرت المياه.
ظهرت يدان هائلتان من أعماق البحيرة، اخترقتا سطح الماء وارتفعتا إلى الأعلى. كان حجمهما وحده كافيا لجعل رودرينا وفرقتها يدركون أنهم أمام شيء يفوق ما واجهوه حتى الآن.
ثم ظهر رأس ضخم بين اليدين.
ارتفع أكثر، وبعده بدأ نصف جسد المخلوق بالخروج من البحيرة.
كان بنيانه شبيها بالبشر، لكن ذلك التشابه كان الشيء الوحيد الذي يمكن أن يربطه بالإنسان.
كان جسده مغطى بالحراشف التي امتدت فوق جلده كطبقة طبيعية تحميه. أما شعره فكان طويلا ومبللا بالماء، يتدلى حول جسده، بينما علقت بين خصلاته أصداف كثيرة جعلت مظهره يبدو وكأنه خرج من قاع البحر بعد سنوات طويلة من العيش في الظلام.
لكن كل تلك التفاصيل لم تكن أكثر ما أرعبهم.
فعيناه كانتا الاكثر رعبا
تجمدت رودرينا وفرقتها عندما التقت أعينهم بعينيه.
لم تكن نظراته نظرات وحش جائع.
كانت أسوأ من ذلك.
بدت عيناه وكأنهما تحملان أرواحا تصرخ داخل النار. أرواحا تعاني وتحترق دون نهاية. كان الحزن واضحا فيهما، وكذلك الألم والحقد والغضب، وكل تلك المشاعر كانت متداخلة في نظرة واحدة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل.
أما فمه فكان مشوها وممزقا تقريبا، وكأن شيئا ما مزقه منذ زمن طويل ثم تركه يلتئم بطريقة غير صحيحة.
حدق المخلوق في الدمية.
لم يهاجمها.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم أدار رأسه ببطء نحو رودرينا وفرقتها.
ساد الصمت.
لم يتحرك أحد.
كانت عيناه تحملان هدوءا غريبا، لكنه لم يكن هدوءا مطمئنا.
كان هدوء شيء هائل يمتلك القدرة على تدمير كل ما حوله، ولا يرى حاجة إلى الاستعجال.
فتح فمه المشوه.
خرج صوت عذب من حنجرته.
كان الصوت هادئا بصورة غير طبيعية، وتسلل إلى آذانهم كأنه لحن مريح يخفف الخوف من عقولهم. شعرت رودرينا وفرقتها براحة غريبة رغم أنهم كانوا يقفون أمام مخلوق خرج من أعماق بحيرة مجهولة.
ثم تغير الصوت.
انقلب الهدوء في لحظة واحدة إلى صرخة حادة مرعبة.
مزقت الصرخة الهواء بعنف.
اهتزت الأشجار، وارتجفت الأرض تحت أقدامهم. كان الغضب والألم اللذان حملتهما الصرخة كافيين لجعل أجسادهم تتوتر دون إرادة منهم.
وصل الصوت إلى أندري من مكان بعيد.
توقف الوحش ذو الأذرع الأربعة عن السير.
رفع رأسه فورا، وثبت نظره في اتجاه مصدر الصرخة.
راقبه أندري من بين الأشجار، ولم يحتج إلى وقت طويل حتى فهم أن الصرخة هي التي لفتت انتباه الوحش.
وفجأة اندفع الوحش راكضا.
ضربت قدماه الأرض بقوة حتى اهتزت التربة تحته، وراحت الأشجار تتمايل عندما مر بينها، بينما بدأت يداه الأربع تضرب صدره بعنف.
ضربة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
ترددت أصوات الضربات بين الأشجار كقرع طبول ضخمة تعلن عن اقتراب وحش خرج للتو من أعماق الغابة.
لم يكن يركض بلا هدف.
كان يتجه مباشرة نحو مصدر الصرخة.
ظل أندري يراقبه وهو يبتعد بسرعة. لم يكن يعرف ما الذي ينتظره في الجهة التي اتجه إليها، لكنه أدرك أن شيئا خطيرا قد ظهر هناك.
شعر أندري بمهابة ثقيلة وهو يشاهد الوحش يندفع بكل تلك القوة، ومع ذلك ظهر في داخله شعور آخر.
الحماس.
وعلى عكس أندري، كان الخوف يسكن رودرينا وفرقتها وهم يواجهون المخلوق الذي خرج من البحيرة.
فتح سيد الوحوش فمه، واندفعت منه ثلاث كرات ضخمة من الماء باتجاههم.
تحرك أفراد الفرقة بسرعة وتمكنوا من تفاديها بصعوبة، لكنهم ما إن نظروا إلى الكرات حتى بدأت الديدان تخرج منها، ثم راحت تتحرك فوق الأرض بلا اتجاه واضح، وكأنها تبحث عن مكان مناسب تدفن نفسها فيه.
وقبل أن تتمكن رودرينا من معرفة ما يحدث، شتت انتباهها وانتباه سيد الوحوش صوت قادم من جهة أندري.
صرخة مدوية يتخللها صوت يشبه قرع الطبول.
لقد وصل الوحش الذي ولد من رحم شجرة ملعونة.
كان حاقدا على سيد الوحوش، وكأن وجوده وحده كاف لإشعال غضبه.
اهتزت الأشجار أمام سيد الوحوش بعنف، بينما أسرعت رودرينا وفرقتها إلى الاختباء خلفها. لم تمض سوى لحظات حتى بدأت الأشجار تتطاير من أماكنها، وظهر الوحش من بينها.
كان لا يزال يضرب صدره بأذرعه الأربع، مطلقا صرخات هائلة هزت المكان.
رفع نظره نحو سيد الوحوش.
وبمجرد أن التقت عيناهما، رفع سيد الوحوش يده.
ارتفعت مياه البحيرة خلفه، ثم أخذت تتكثف وتتحول إلى أنصال حادة لا تحصى.
وفي لمح البصر انطلقت جميعها نحو الوحش.
تحرك الوحش بسرعة وأمسك بمعظم الأنصال وحطمها بيديه، لكن بعضها اخترق ذراعيه وجسده.
بدأت الديدان بالخروج من الجروح فورًا، وتسلقت جسده قبل أن تبدأ بالتهامه من الداخل.
التفت سيد الوحوش إليه دون أن يظهر عليه أي اهتمام، وكأن ما يحدث أمامه لا يستحق حتى رد فعل.
كان الفرق بين قوتهما واضحا.
لكن ما لم يعرفه سيد الوحوش أن خصمه لم يكن وحشا عاديا.
كان من سلالة تدعى "مولودو اللعنة"، الوحوش التي تولد من الجثث.
رفع الوحش ذراعيه المصابتين نحو الشمس.
وبمجرد أن لامستهما أشعتها، بدأت الديدان بالاحتراق. أخذت تتلوى قبل أن تختفي واحدة تلو الأخرى، وفي الوقت نفسه بدأت الجروح الموجودة على ذراعيه بالانغلاق حتى اختفت تماما.
ظل سيد الوحوش ينظر إليه بعينين فارغتين لا تحملان سوى الألم والغضب.
انحنى الوحش وأمسك بالأرض، ثم اقتلع منها كرة صخرية ضخمة وأطلقها نحو الأشجار التي كانت تحجب أشعة الشمس.
اخترقت الكرة الأشجار وأسقطتها، فامتدت أشعة الشمس دون عائق وأصبحت تلامس جسده بالكامل.
بدأ يتحرك يمينا ويسارا، مستعدا للانقضاض على سيد الوحوش.
رفع سيد الوحوش يديه، فتحركت مياه البحيرة استجابة لأمره، ثم اندفعت عدة هجمات مائية متتالية نحو الوحش.
هبط الوحش على قدميه وانطلق إلى الأمام، متفاديا الهجمات واحدة تلو الأخرى حتى وصل إلى رأس سيد الوحوش.
رفع ذراعيه اليمنيين ووجه ضربتين متتاليتين.
لكن سيد الوحوش صد الضربتين بسرعة، ثم رد بلكمة قوية جعلت الوحش يتألم ويتراجع.
وبسبب دخول الوحش إلى البحيرة، بدأت الديدان بالتهامه من جديد، إلا أن أشعة الشمس كانت تحرقها في الوقت نفسه.
استمرت المعركة بينهما، وكل واحد منهما يستنزف الآخر.
تبادلا الضربات والهجمات بعنف. ورغم كثرة أذرع الوحش وقدرته على التجدد، ظل سيد الوحوش أكثر صلابة. طوال ذلك القتال لم يصب سوى بثلاثة جروح.
أما الوحش فقد أصبح جسده مغطى بالدماء. كانت أنصال الماء تصيبه من جميع الجهات، والديدان تلتهم جسده باستمرار، وحتى لكمات سيد الوحوش بدأت تترك آثارها عليه.
وقبل أن يتمكن الوحش من استعادة توازنه، وجه إليه سيد الوحوش لكمة قوية أصابت فمه.
انشق فم الوحش، وبدأت الأغصان تتشكل داخله.
لكنه لم يتراجع.
أمسك بيدي سيد الوحوش، بينما أمسكت يداه الأخريان بجسده، متجاهلا أنصال الماء التي كانت تخترق لحمه.
كان جسده ينزف أكثر فأكثر، لكنه لم يكترث.
تقدم برأسه وحاول عض رأس سيد الوحوش، لكن الأخير ابتعد في اللحظة المناسبة، فانغرست أسنان الوحش في كتفه بدلًا من رأسه.
استمر الوحش في عضه بعنف حتى اخترقت أسنانه جسد سيد الوحوش وعضلاته، وكادت ذراعه أن تقتلع بالكامل.
أطلق سيد الوحوش صرخة ألم، ثم فتح فمه وأطلق صرخة ثانية أقوى من الأولى.
وفي تلك اللحظة شعر أندري بشيء.
كان مختبئا بين الأشجار يراقب المعركة، لكنه لم يعد يركز على الوحشين أمامه فقط.
شعر بعدد هائل من الطاقات يقترب من المكان.
وبعد لحظات ظهرت أعداد كبيرة من الحيوانات المتحولة بين الأشجار. كانت وجوهها خالية من الحياة، وأجسادها تحمل آثار التحول الذي شاهده أندري من قبل.
انقضت جميعها على الوحش في وقت واحد وأحاطت به من كل جانب.
اضطر الوحش إلى إفلات سيد الوحوش، فقد كان جسده قد استنزف معظم قوته.
وفي الجهة الأخرى، لم يعد سيد الوحوش قادرا على تحريك يده اليمنى.
استخدم يده الأخرى وأمسك بالوحش، ثم دفعه بقوة حتى خرج من البحيرة. بعدها مد يده نحو الماء، فبدأت البحيرة بالارتفاع حوله.
تجمعت كمية هائلة من المياه في نقطة واحدة أمامه، وتشكلت تدريجيا على هيئة رمح مائي ضخم.
كانت كمية المياه التي سحبها هائلة، حتى إن مستوى البحيرة انخفض بشكل واضح وبدأ جزء من قاعها بالظهور.
كان الوحش يحاول التخلص من الحيوانات المتحولة التي أحاطت به، ولم يدرك الهجوم القادم إلا بعد فوات الأوان.
أطلق سيد الوحوش الرمح.
لكن الوحش لم يحاول تفاديه.
اختار أن يتلقى الهجوم ويركض في الوقت نفسه نحو سيد الوحوش.
اخترق الرمح جسده بعنف، فتطايرت ثلاث من أذرعه، وانفصل جزء كبير من بطنه، لكنه لم يتوقف.
واصل الاندفاع حتى وصل إلى سيد الوحوش.
رفع سيد الوحوش يده محاولا صد هجومه، لكنه وجد فم الوحش قد انغلق عليها وأطبق أسنانه بقوة.
وفي اللحظة نفسها وجه الوحش ضربة بيده الأخيرة اخترقت بطن سيد الوحوش.
أمسك به ورفعه، وعندها ظهر الجزء السفلي من جسده، وكان مليئا بالمجسات ويشبه جسد أخطبوط ضخم.
اخترقت يده جسد سيد الوحوش، ثم رفعه ورماه خارج البحيرة في الاتجاه الذي كانت تختبئ فيه رودرينا وفرقتها.
لاحظ أندري الفرصة.
كان سيد الوحوش قد بدأ يلتقط أنفاسه الأخيرة، ولم يبق أمامه الكثير من الوقت.
لكن قبل أن يتحرك، رأى فرقة رودرينا تتقدم.
اندفع أحد أفراد المجموعة، وكان ضخم الجسد ويحمل مطرقة كبيرة، وقبل أن يتمكن سيد الوحوش من إدراك ما يحدث تلقى ضربة قوية.
أطلق سيد الوحوش صرخة صغيرة، ثم أمر حيواناته بمهاجمة المجموعة، متجاهلا الوحش الآخر تماما.
أما المولود من الشجرة، فعلى الرغم من خروجه منتصرا من المواجهة، لم يكن في حالة تسمح له بالبقاء.
كان يحاول الخروج من البحيرة، لكن الديدان بدأت تلتهم ساقيه، بينما كانت الشمس تختفي تدريجيا في الأفق.
لم يعد أمامه الكثير من الوقت.
خرج من البحيرة بسرعة، ثم بدأ يمشي نحو الغابة متجاهلا كل ما يحدث خلفه.
راقب أندري الموقف وبدأ يحسب الأمور بسرعة.
كان بقاؤه هنا ومحاولة قتل سيد الوحوش أمرا شبه مستحيل، خصوصا مع وجود رودرينا وفرقتها، وظهوره المفاجئ في المعركة سيكون غريبا إلى حد ما.
أما الوحش فقد هرب وبقي وحده.
وفوق ذلك، ربما تكون قدرة تجدد جسده أكثر فائدة له من القدرة على السيطرة على بعض الوحوش.
حسم أندري قراره.
تبع الوحش.
ظل المولود من الشجرة يمشي بين الأشجار، وساقاه مليئتان بالثقوب، بينما لم يتبق له سوى يد واحدة.
وفجأة ظهر نصل في ظهره.
استدار الوحش بسرعة وحاول ضرب من هاجمه، لكن أندري تفادى الضربة وابتعد قليلا.
ثم نظر إليه.
كانت نظرات الوحش مليئة باليأس.
الشخص الذي تجاهله بسبب ضعفه ربما سيكون السبب في موته.
نطق أندري:
"في الأخير أنت مجرد وحش. الغضب يسيطر عليك، ولو تجاهلت سيد الوحوش ربما كنت ستصبح لا تُقهر. كل ما تملكه هو مشاعر سلبية ونية للقتل، ومن الأفضل أن تتذكر نظرتك إلي أيضا."
رفع أندري نصله وانحنى بظهره، ثم بدأ سيفه يتوهج.
شعر بقلبه وكأنه يحترق من الداخل، وحتى قناعه بدأ بالاشتعال، فظهرت نيران ذهبية حول خطوط عينيه، بينما اشتعل شعار اليد بنيران قرمزية.
أما درعه فمنحه شعورا بالأمان وسط ذلك التوهج.
رفع أندري عينيه نحو الوحش وانطلق.
حاول الوحش الدفاع بيده المتبقية، لكن يده وصلت إلى الأرض بعد أن قطعها أندري.
واصل أندري اندفاعه حتى وصل إلى عنقه، ثم أمطره بمئات الضربات.
تراكمت القطوع فوق بعضها حتى مال عنق الوحش إلى الجانب، ثم انهارت ساقاه وسقط على ركبتيه قبل أن يهوي جسده إلى الأرض.
انفتح فمه.
خرج منه صوت ضعيف.
استمع أندري إلى نبرته، فبدت الكلمات وكأنها صادرة من طفلة صغيرة.
"أتألم... أتألم..."
شعر أندري وكأن قلبه يفيض بالبكاء، وبدأ إحساس غريب يخبره بأن هناك خطأ ما.
"الوحوش... لا أحد يعرف أين تظهر ولا سبب خروجها. هل من الممكن أنها ليست وحوشًا أصلًا"
وقبل أن يتمكن أندري من الشعور بالمزيد من الأسى تجاه المخلوق، غرس سيفه فيه حتى لا يتركه يعاني أكثر.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه الوحش، وكأن الألم قد توقف للحظة.
لكن قبل أن تكتمل تلك الابتسامة، تحولت ملامحه إلى ألم شديد. وفجأة، ظهرت من جسده أياد سوداء كثيرة، وبدأت بامتصاص طاقته.
كان الأمر وكأن روح الوحش كانت على وشك أن ترتاح، لكن الأيادي مزقتها وانتزعت كل ما تبقى منها.
وقبل أن تظهر علامات الحزن على وجه أندري، تدفقت الكمية الهائلة من الطاقة التي امتصتها الأيادي إلى جسده دفعة واحدة.
شعر بقوته تزداد بشكل هائل، ولم يكن ذلك التغيير في جسده وحده. حتى مشاعره بدأت تتغير.
اختفى شعور الأسى الذي كان يملأ قلبه قبل لحظات، وحل مكانه إحساس بارد جعله ينظر إلى الجثة أمامه بطريقة مختلفة تمامًا.
انحنى أندري وأمسك برأس الوحش.
"وحش كنت أم لا، فأنت لست إلا طعامًا لي."
توقف للحظة، وما إن نطق بكلماته حتى شعر بشيء غريب.
ماذا حدث لي فجأة
قبل أن يتمكن من فهم ما يجري له، ظهرت أمامه شاشة النظام.
"تم قتل وحش من سلالة المولودين من شجرة اللعنة."
"تمت زيادة 20 نقطة في كل إحصائياتك."
