قسم الطوارئ - 12:00 منتصف الليل
دقت الساعة معلنة منتصف الليل. نقطة المنتصف. اللحظة التي تشعر فيها أن الليلة لن تنتهي أبدًا. الهدوء الذي تبع أزمة التسمم كان مشحونًا بالتوتر. أمجد أنهى عمله مع الشاب الذي استقرت حالته وتم نقله للعناية المركزة، وعاد إلى تجواله المعتاد، يبحث عن أزمة جديدة. هاني كان يتجنب نظراتي، ويقوم بعمله بصمت.
في تلك اللحظة، انفتحت أبواب سيارة الإسعاف مرة أخرى. هذه المرة، لم يكن هناك صراخ، بل أنين مكتوم. امرأة شابة في حالة مخاض متقدم، يمسك زوجها بيدها بقلق واضح.
كان دكتور مروان هو الأقرب. التفت نحوهم، وعلى وجهه ذلك التعبير المحترف الجاهز دائمًا.
"ماذا لدينا؟" سأل المسعف.
"سارة، ٣٢ عامًا، الحمل الأول. في الأسبوع التاسع والثلاثين. بدأت الانقباضات تتسارع بشدة منذ ساعة. يبدو أن الطفل في عجلة من أمره."
راقبت مروان عن كثب. رأيت بريق الاهتمام الأولي في عينيه وهو يقيم الموقف. ثم رأيت هذا البريق يخفت بسرعة عندما استوعب المعلومات.
حمل أول. حالة ولادة طبيعية. لا توجد مضاعفات واضحة. لا توجد متلازمة نادرة. لا توجد عائلة ذات نفوذ.
إنها مجرد... حالة ولادة.
تغيرت لغة جسده بالكامل. استرخى كتفاه، واختفت تلك الحدة من نظراته. تحول من "صائد الفرص" إلى مجرد طبيب آخر في مناوبة ليلية.
"حسنًا،" قال بنبرة تفتقر إلى الحماس الذي كان لديه مع عائلة الشاذلي. "أدخلوها إلى غرفة الفحص رقم 3. يا نهى،" نادى الممرضة، "أبلغي قسم الولادة أن لدينا حالة في الطريق إليهم. لا داعي للاستعجال، يبدو أن لدينا بعض الوقت."
كلماته "لا داعي للاستعجال" كانت موجهة لنفسه أكثر من أي شخص آخر. هذه الحالة لا تمثل "عملة" يمكنه إضافتها إلى رصيده. إنها مجرد إجراء روتيني يجب إنجازه لإخلاء السرير للحالة "المهمة" التالية التي قد تأتي.
رأيته يتحدث مع الزوجين لبضع دقائق. كانت كلماته احترافية، لكنها كانت خالية من الدفء. لم يسأل عن قصتهما، لم يحاول بناء علاقة. كان يقوم بالحد الأدنى من التواصل المطلوب. فحص السيدة بسرعة، وأكد أنها بالفعل في حالة ولادة نشطة، ثم خرج من الغرفة.
وجدته بعد دقيقة عند محطة العمل، يراجع هاتفه مرة أخرى.
"لقد أبلغت قسم الولادة،" قال لي دون أن أطرح السؤال. "سيأتون لأخذها قريبًا."
"هل فحصت عن أي مضاعفات محتملة؟ هل راجعت تاريخها الطبي بالكامل؟" سألته، وصوتي حاد، لا يزال يحمل أثر مواجهتي مع هاني.
نظر إليّ باستغراب. "دكتورة إيمان، إنها حالة ولادة طبيعية تمامًا. لا يوجد ما يدعو للقلق. قسم الولادة هو المسؤول الآن."
لقد قام بتسليم المسؤولية فكريًا قبل أن يتم نقل المريضة جسديًا. لقد قيم الحالة ووجد أنها لا تستحق وقته أو طاقته الكاملة. جشعه لا يعمل إلا عندما يكون هناك عائد محتمل. وبدون هذا العائد، يتحول إلى نسخة أخرى من لامبالاة هاني، وإن كانت مغلفة بقشرة من الكفاءة المهنية.
ثم أضاف، كأنه تذكر شيئًا: "على كل حال، سأخبر دكتور كريم. هو يحب هذه الأمور... العائلات الجديدة واللحظات العاطفية." قالها بابتسامة ساخرة خفيفة، ثم أضاف وهو ينظر في هاتفه، "لقد صعد للتو للاطمئنان على السيدة الشاذلي مرة أخرى. لا يترك فريسته بسهولة."
نظرت من خلال زجاج محطة العمل إلى الغرفة رقم 3، حيث كانت المرأة تتألم، ثم إلى مروان الغارق في هاتفه، ثم فكرت في كريم وهو يؤدي دوره في الطابق العلوي.
شعرت بموجة من الازدراء. إنهم كالأطفال، يتصارعون على الألعاب اللامعة ويتجاهلون ما هو عادي. مروان يريد الجائزة، وكريم يريد التصفيق، وهاني لا يريد اللعب من الأساس. مجموعة من الهواة.
في النهاية، لا يهم. سواء كانت حالة نادرة أو حالة ولادة روتينية، فهي مجرد مشكلة أخرى تحتاج إلى حل. ومهمتي هي التأكد من أن هذه المجموعة من الأطباء المعيبين لا تسبب كوارث أثناء محاولتهم حلها.
الممر المؤدي إلى غرفة الفحص 3 - بعد منتصف الليل بقليل
لم أكن مقتنعة. كلمات مروان "إنها حالة ولادة طبيعية" كانت مريحة أكثر من اللازم. الراحة في قسم الطوارئ هي نذير شؤم. تركت تقاريري وقررت أن ألقي نظرة بنفسي. ليس من باب التعاطف، بل من باب التحقق. أنا لا أثق في حكم طبيب يقيّم الحالات بناءً على قيمتها في سيرته الذاتية.
وبينما كنت أتوجه نحو الغرفة رقم ٣، رأيته. دكتور كريم. كان قد عاد لتوه من جولته في الطوابق العليا، ويبدو أن مروان قد أبلغه بالصيد الجديد.
كان يقف في الممر مع الزوج الذي كان يبدو ضائعًا وقلقًا. كان كريم قد وضع يده على كتف الرجل، بنفس اللفتة التي أتقنها تمامًا.
"أنا دكتور كريم،" سمعته يقول بصوته الهادئ والعميق. "أعلم أن هذا وقت مقلق، خاصة مع الحمل الأول. لكنني أريدك أن تطمئن. زوجتك في أيدٍ أمينة."
صمت للحظة، ثم أضاف الجملة التي كان يحضرها دائمًا: "سأشرف على حالتها بنفسي حتى يتم نقلها بأمان إلى قسم الولادة. كل شيء سيكون على ما يرام."
رأيت كتفي الزوج تسترخيان على الفور. لقد وجد "مُخلّصه". وجد ذلك الوجه الهادئ والواثق في خضم الفوضى. لم يكن كريم يقدم له معلومات طبية، بل كان يقدم له شيئًا أفضل: وهم السيطرة والأمان الشخصي. لقد وجد فريسته العاطفية الجديدة لهذه الليلة.
توقفت على بعد خطوات منهم، وذراعاي مكتوفتان. التقت أعيننا للحظة فوق رأس الزوج. رأى كريم في نظرتي ما أفكر فيه، لكنه لم يهتز. بل أرسل لي ابتسامة خفيفة، شبه متواطئة، كأنه يقول "كل منا له أسلوبه في العمل".
إنه لا يرى في سلوكه أي خطأ. هو يرى نفسه ملاذًا، بينما أراه أنا متطفلاً عاطفيًا، يتغذى على ضعف الآخرين ليملأ فراغه الخاص.
تجاوزتهم دون أن أنطق بكلمة ودخلت الغرفة. كانت المرأة تتنفس بصعوبة، والممرضة نهى بجانبها، تساعدها بهدوء وكفاءة.
"دكتورة إيمان،" قالت نهى.
"أنا هنا فقط لأجري فحصًا سريعًا،" قلت، وأنا أرتدي قفازاتي.
بدأت في إجراء الفحوصات الروتينية التي كان يجب على مروان أن يكملها باهتمام أكبر. لم يكن هناك شيء غير عادي حتى الآن، لكن هذا لا يعني شيئًا. الكوارث لا تعلن عن قدومها.
بينما كنت أعمل، كنت أسمع صوت كريم الهادئ من الممر، وهو يطمئن الزوج. صوت يشبه الهمس، ينسج شبكة من الاعتماد والامتنان.
شعرت بالازدراء يتصاعد في داخلي مرة أخرى. هذا المكان ليس مستشفى، إنه سيرك. بهلوان يبحث عن الأضواء، وساحر يمارس ألاعيبه، ومهرج استسلم للامبالاة.
وأنا؟ أنا مديرة السيرك. الشخص الوحيد الذي يعرف أن كل هذا مجرد عرض.
