وقف عند حافة الشرفة، ينظر إلى المدينة التي لا تنام. الأضواء المتناثرة تحت قدميه بدت كنجومٍ سقطت على الأرض، لكن داخله كان أكثر ظلمة من أي ليلٍ مرّ به. القرار الذي تهرّب منه طويلًا صار الآن قريبًا… قريبًا جدًا.
تذكّر كل ما حدث منذ البداية: الوعود، الخسارات، واللحظات التي ظنّ فيها أن الطريق انتهى. لم يكن وحده في هذه الرحلة، لكنه في هذه اللحظة شعر بثقل الوحدة. أخرج الهاتف من جيبه، توقّف عند اسمٍ واحد، ثم أعاده دون أن يتصل. ليس بعد.
في الداخل، كانت الغرفة هادئة على غير عادتها. الأوراق مبعثرة، وكل ورقة تحمل أثر فكرة لم تكتمل. جلس وبدأ يجمعها واحدةً تلو الأخرى، وكأنه يعيد ترتيب نفسه قبل أن يعيد ترتيب العالم من حوله. هناك حقيقة لا مفر منها: الاستمرار كما هو لم يعد خيارًا.
طرقٌ خفيف على الباب كسر الصمت. رفع رأسه، وتنفّس بعمق قبل أن يقول:
«ادخل.»
الدخول لم يكن مفاجئًا، لكن الكلمات التي سمعها بعد ذلك كانت كفيلة بتغيير كل شيء. لم يعد القرار فرديًا، ولم يعد الوقت في صالحه. الآن، إما أن يواجه ما ينتظره، أو يخسر أكثر مما كان مستعدًا لخسارته.
نهض، وشعر للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل أن الخوف لم يعد عائقًا… بل دافعًا. ومع هذه الفكرة، أُغلِق فصلٌ قديم، وبدأت ملامح فصلٍ جديد بالظهور.
