Cherreads

التجلي الاخير

husbandnovel
7
chs / week
The average realized release rate over the past 30 days is 7 chs / week.
--
NOT RATINGS
369
Views
Synopsis
يشقّ "أيس فارلاند" طريقه عبر النجوم، مطاردًا شخصاً معيناً. لكن رحلته تتوقف فجأة عندما تتعطل مركبته الفضائية ليجد نفسه مضطرًا للهبوط على كوكب مجهول.هناك، وسط أرض بعيدة, يلتقي بأميليا، فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الثانية عشرة، لكنها تحمل في جعبتها معرفة مدهشة بعالمٍ لم يخطر على باله. تحدثه عن مملكة تحكمها قوانين السحر، عن مخلوقات نصف بشرية، عن مغامرين يقاتلون من أجل المجد... عالم لا يشبه شيئًا عرفه من قبل. هل سيتمكن "أيس" من التكيّف مع هذا الواقع الجديد؟ وهل سيجد وسيلة لإصلاح مركبته لإكمال رحلته في الفضاء؟ أم أن هذا الكوكب سيغيّر مصيره إلى الأبد؟
VIEW MORE

Chapter 1 - الفصل الأول (عينه مجانية من المجلد)

بعيدًا في الفضاء، حيثُ تتناثرُ النجومُ كحَبّاتِ لؤلؤٍ في بحرٍ من الظلام، اندفعَ جسمٌ غريبٌ يخترقُ سماءَ أحدِ الكواكبِ، يشقُّ طريقَه بين السُّحبِ المُلبدة ليبدو كشبحٍ سماويٍّ يتلوّى بلا اتّزان. ذلك الاضطرابُ لم يَدُمْ طويلًا، سرعان ما تبدّل إلى استقرارٍ تدريجيٍّ، ليستقر الجسمُ عاليًا في السماء. كان مركبةً فضائيّةً تُحيطُ بها دوّاماتٌ من دخانٍ أسود، بيضاويّةَ الشكل، في مقدّمتها نافذةٌ ضخمةٌ سوداءُ يتغيّر لونُها مع كلّ زاويةِ انعكاسٍ للضوء حتى يُخيَّل للناظر أنّها تتنفّسُ ألوانًا مختلفة، بينما تباين لونُ سطحِ المركبةِ المحفورِ بالنقوش بين فضّيٍّ لامعٍ وأزرقَ باهِت.

عند انحسارِ الأبخرةِ السوداء، أخذ بخارٌ أبيضُ يُغلّفُها بحُلّةٍ جديدة، قبل أن تبدأ بالنزولِ ببطءٍ وبحركةٍ عموديّة، أثناء ذلك, خرجت من أسفلِها ستّةُ أرجلٍ تُطلقُ ذبذباتٍ نحو الأرض، تختبرُ قدرتَها على حملِ ثِقَلِها. ما إن لامستِ المركبةُ الأرضَ حتى استقرّت بخفّةٍ كَسُقوطِ ريشة.

تلا ذلك زفيرٌ هائلٌ من البخارِ الأبيضِ من كُلِ جوانبِها، غطّى المكانَ ينشر رائحةً معدنيّة. ساد صمتٌ أعقبه صوتٌ ميكانيكيٌّ جاء من جانبِ المركبة، ليُفتح بابٌ ذو طبقاتٍ متعدّدةٍ حتى استقرَّ على الأرضِ ذاتِ العشبِ القصير. جاءت الخطوةُ الأولى من الداخل، ظهر عند العتبةِ شخصٌ يرتدي بزّةً حمراءَ داكنةً، ملساءٌ من بعيدٍ وخشنةٌ عند التدقيق، كأنّها نُسجت من أليافٍ تجمعُ بين الصلابةِ والمرونة.

غطّى رأسَه خوذةٌ ذاتُ واجهةٍ زجاجيّة، امتدّ من خلفِها خرطومٌ يتّصلُ بخزّانٍ مُعلّقٍ خلف ظهرِه يحوي غازًا صالحًا للتنفّس. جُهزت البزّةُ بشاشاتٍ صغيرةٍ على المعصم تُعرَضُ الحالةُ الحيويّة وبياناتُ البيئةِ المحيطة من حرارةٍ وضغطٍ وتركيبةِ الهواء. 

غير أنّ ما يثيرُ الاهتمامَ في البزّةِ كان ذلك الامتدادَ عند أسفلِ الظَّهر بطولِ مترين، كأنّه صُمّم ليحتضن شيئًا لم يكن موجودًا، شيئًا حيًّا ربّما. وقف يتأمّلُ المشهدَ أمامَه: أرضٌ خضراءُ من السهولِ الشاسعة، يُغطّيها عشبٌ قصيرٌ يلمعُ بوهجٍ خافت، وصخورٌ مُتناثرةٌ بلونِ الفحمِ وأخرى زرقاءُ شفّافةٌ تُشبهُ البلّوراتِ العملاقة. تحرّكَ يتّخذُ خطوتَه الأولى نزولًا، غير أنّ توازنَه اختلّ قليلًا، فكادت خطوتُه أن تتحوّلَ إلى سقوط.

»يبدو أنّ قراءاتِ المركبةِ لم تكن خاطئة… الجاذبيّةُ هنا أعلى بالضِّعف على ما يبدو.»

قال ثم أكمل خطواتِه بحذر، ابتعد قليلًا عن المركبة، ثم تفحّص الشاشةَ على معصمِه، أظهرت مؤشّراتٍ توحي بأنّ المكانَ صالحٌ للحياة. ومع ذلك ظلّ حذرًا، يعلمُ أنّ التقنيةَ مهما بلغت دقّتُها قد تُخطئ. لكنّه شعر بالإثارةِ أيضًا، إذ يقفُ لأوّلِ مرّةٍ على أرضِ كوكبٍ بعيد. بقي يُفكِّرُ للحظات، وبعد أن اتّخذ قرارَه ضغط زرًّا على معصمِه فتوقّف تدفّقُ الغاز. رفع يديْهِ نحو رأسِه، أدار الخوذةَ ثم أخذ ينزعُها ببطء.

أحسّ بضغطٍ في أذنيه وأنفِه، تنفّس ببطءٍ محاولًا ضبطَ إيقاعِ جسدِه، مُدرِكًا أنّ ما يشعرُ به ليس سوى أثرٍ لاختلافِ الضغط بين بزّتِه والمحيط. كان يعرف أنّ أيَّ خطأٍ في هذه اللحظةِ قد يعني نهايتَه، ومع ذلك لم يكن يملكُ خيارًا، فخزّانُ الغاز لم يعُد كما كان، إذِ استنزفَ الزمنُ غازَه ولم يتركْ له إلّا بضعَ ساعاتٍ للاستخدام.

أمّا مركبتُه فقد تحوّلت إلى هيكلٍ معدنيٍّ شبهِ فارغ، فقدت معظمَ طاقتها، تعطّلت بعضُ محركاتِها، ولم تعُد صالحةً لقطعِ أيِّ مسافةٍ إضافيّةٍ في الفضاء.

 

حين أزال الخوذةَ، بدا كشابٍ في منتصفِ العشريناتِ من العمر ذو عينينٍ بنيتين وشعرٍ أسود مائلٍ إلى البني وعينين, ضمّ الخوذةَ إلى صدرِه واستنشق أوّلَ نَفَسٍ من الهواء. دخل الهواءُ إلى رئتَيْهِ ناعمًا، لاذعًا قليلًا، رطبًا ولكن غير خانق، وبينما حرّك النسيم شعرَه أطلق كلمةٌ واحدةٌ تحمل كلّ ما في قلبِه من دهشة:

»نَقِيّ!»

كان الهواءُ أقلَّ كثافةً ممّا أعتاد، كأنّ هذه الطبيعةَ أرادت أن تُعوِّضَه عن سنواتٍ عاشها في مدنٍ خانقة، مُغطّاةٍ بدخانِ المصانعِ وغبارِ الطرقات. تفقدَ القراءاتِ الحيوية على معصمِه، كلُّها كانت ضمنَ حدودٍ مقبولة. أصغى إلى المحيط، فلم يسمع سوى صوتِ الرياحِ وهي تمرّ فوق العشب. عاد إلى المركبةِ بخطواتٍ أكثرَ اتّزانًا من سابقتِها، ثم خرج يرتدي قميصًا أسودَ وبنطالًا داكنًا، ملابسُ بسيطةٌ لا تمنحُه دفئًا، لكنّها خفيفةٌ تُتيح له حُرّيّة الحركة. على خصرِه ثبّت حزامًا علّق عليه سلاحًا وخنجرًا، بينما حمل خلف ظهرِه حقيبةً ضخمة، وضع داخلَها كلَّ ما يحتاجُه في رحلةٍ قد تستمرّ أيّامًا أو أسابيع. وقف يتأمّلُ الأفق، لم يكن المشهدُ سهلَ القراءة، فالسهولُ امتدّت تتعرّجُ بانحناءاتٍ رسمتها يدُ الطبيعة.

«سهولٌ خضراءٌ على مدِ البصر... حسناً، هذا افضلُ من تلك الصفراءِ القاحلة.»

قال بعد تأمل المشهد، ثم رفع رأسَه نحو نجمِ الكوكب وعدّل الوقتَ في ساعةِ يدِه الكلاسيكيّةِ ذهبيّةِ اللون ليتوافقَ توقيتُها مع الوقتِ المُقدَّر للنهار. استدار نحو مركبتِه ونطق بعبارةٍ بلغةٍ مختلفةٍ عن التي استخدمها في عباراته السابقة، فاستجابت المركبةُ فورًا، أصدرت صوتًا ثم بدأ لونُ سطحِها يتغيّر وكأنّه لوحةٌ سائلة.

تدرّجت الألوانُ واختلطت حتى استحال شكلُ المركبةِ إلى هيئةِ صخرةٍ ضخمة. اقترب ولمس سطحَها، فشعر بحرارة المعدنِ تحت خداعِ التمويهِ البصريّ.

»من الجيّد أنّ نظامَ التمويه ما زال يعمل… لكن لم أتخيّل أن يكون واقعيًّا إلى هذه الدرجة.»

قال ثم وقف حائرًا يتفحّصُ الجهاتَ الأربع. كانت الرياحُ خفيفةً تُغيّرُ اتجاهَ العشب بالكاد. تذكّر فجأةً ذلك اللقاءَ مع عجوزٍ غريبٍ في تلك المدينةِ التي طالما حَلِمَ بزيارتِها في صباه، حينها قال العجوز له: »عندما تحتار… امشِ عكسَ الرياحِ يا فتى.»

مرّت تلك الكلماتُ على مسامعِه بغرابة ثم انزوت في ذاكرته دون أن يلتفتَ إليها. غير أنّ الموقفَ أعادها إلى ذهنِه، فأخذ يُفكّر إن كانت تلك الكلمات تعني، في مضمونِها، مواجهةَ الطريقِ الأصعبِ بالمشي عكسَ اتجاهِ الرياح. لم يُشغلْ نفسَه بالتفكير، قرّر أن يضعَ تلك الحكمة إنْ صحّت تسميتها موضعَ التجربة، لا بدافعِ الفضول بل لأنّه لم يملكُ خيارًا آخر. لم يحتج أن يُغمِضَ عينيه ليتحسّسَ اتجاهَ الرياح، فقد كان العشبُ دليلًا كافيًا، ينحني مع كلّ نسمةٍ باردة. بدأ يمشي عكسَ النَّسيم وخطواتُه مُثقلةً بما يفوقُ وزنَ الحقيبةِ على كتفيه وتأثير الجاذبيّةَ المُضاعَفة عليه.

بعد مسافةٍ من المشي، التفت ليلقي نظرةً أخيرةً على المركبةِ التي غَدَت جزءًا من الخلفيّةِ الطبيعيّة، ومع ذلك ميّزها كما لو أنّ بينهما رابطًا أعمقَ من علاقةِ شخصٍ بآلة.

»أتمنّى أن تبقي سليمة… حتى عودتي.»

قال ثم استدار وواصل المشي نحو الأفقِ المُمتدّ.

مرّت ساعاتٌ من المشي المتواصل، كيلومتراتٌ قطعها والجاذبيّةُ تُثقِلُ جسدَه، ومع ذلك لم يتوقّف. وحين بدأ الغروبُ ينسجُ ألوانَه، رفع رأسَه ليتأمّل المنظر، حيث امتزجت خيوطُ الغروبِ بالغيوم لتُشكّل لوحةً لا يقدر أيُّ فنّانٍ على محاكاتِها، فيما تحوّلت السهولُ الخضراءُ إلى بساطٍ أرجوانيٍّ يُضيء بخفوتٍ ساحر.

لم يُبدِّد المشهدُ البديعُ شعورَه بالوحدة، فقد مشى طويلًا دون أن يرى مخلوقًا واحدًا سوى نباتاتٍ متكرّرة، والرياحُ التي بدت رفيقةً لطيفةً تحوّلت شيئًا فشيئًا إلى خصمٍ عنيدٍ تزدادُ سرعةً وبرودةً.

وجد صخرةً ضخمةً تصلحُ أن تكون ساترًا، خلفَها قرّر أن يقضي ليلتَه الأولى. وضع حقيبتَه جانبًا وبدأ يجمعُ أغصانَ أشجارٍ قصيرةٍ لا يتجاوز طولُها المتر، أوراقُها تبعثُ ضوءًا خافتًا، وأغصانُها أقوى ممّا تبدو عليه. جمع منها ما استطاع، ثم جلس أمامَ كومةِ الأغصانِ وجسدُه مُثقَلٌ بالإرهاق. أخرج قارورةً صغيرةً رشّ منها بضعَ قطراتٍ على الأغصان، ثم أشعل عودَ كبريتٍ قديم بعد محاولاتٍ مرتجفة.

حين اشتعلت النارُ، راحت ألسنةُ اللهب تتراقصُ وهي تبعثُ الدفءَ في أطرافِه. ومع نموِّها أكثر، أخرج من حقيبتِه علبةً أسطوانيّةً ألقاها في قلبِ النار التي التقطتها بشغف. وبينما كان جالسًا شعر بالفارقِ بين جانبي جسدِه، نصفُه المواجهُ للنار كان يدفأ، بينما نصفُه الآخر ظلّ مكشوفًا لرياحٍ باردةٍ تزحفُ فوق سطحِ الصخرة لتترك على ظهرِه لسعاتٍ تُشبهُ وخزَ الإبر، فتراجع قليلًا وأسند ظهرَه إلى الصخرةِ خلفَه، مبتعدًا عن دفءِ النار، كأنّه يبحثُ عن توازنٍ بين النقيضين. ظلّ يتأمّلُ ألسنةَ النار وهي تخوضُ معركةً ضدّ الرياحِ التي تعصفُ بلا هوادة. رفع عينيهِ نحو السماء، فبدت له واسعةً بلا نهاية، كمحيطٍ ممتلئٍ بالنجوم.

كلُّ نقطةٍ مضيئةٍ كانت أشبهَ بجوهرةٍ مختلفةٍ عن الأخرى، بعضُ النجوم أرسلت ومضاتٍ زرقاءَ قويّة، وأخرى أضاءت ببياضٍ نقيّ، والنجومُ الشائخةُ بدت حمراءَ باهتة، بينما كان منها ما يشعّ بضوءٍ أصفرَ وبرتقاليٍّ يبعث على الدِّفء. كان المنظرُ بديعًا، لكن ما أسرَ قلبَه لم تكن النجومَ وحدها، بل القمرانِ اللذان يُزيّنان سماءَ الكوكب.

أحدُهما ضخمٌ يشعّ بزرقةٍ تُشبه زرقةَ البحرِ التي تمنحُ النفس الراحة، أمّا الآخر فكان صغيرًا يتوهّج بلونٍ قِرْمِزيٍّ كالياقوت، يتلألأ كأنّما يرقصُ على ضوء رفيقِه. ورغم الجمالِ الذي يخطفُ الأنفاس، شعر الشابُّ بغصّةٍ في صدرِه. أَخْفَضَ رأسَه وأغمض عينيهِ كأنّما يُقاوم سيلًا من المشاعر.

رفع رأسَه مجدّدًا بينما الدموعُ تنزلُ على وجنتيه لتعكسُ نورَ القمرين كما تعكسه عيناه. في تلك اللحظةِ تبدّلت ملامحُه، خفَّ الحزنُ وحلَّ محلَّه العزم وهو يقول:

»سأجدُك… لا ريبَ في ذلك.»

مسح دموعَه، ثم سمع فحيحَ بخارٍ يتصاعدُ من العلبةِ الموضوعةِ وسط النار. أخرجها وفتحها، فخرج منها خبزٌ مُنتفخٌ باهِتُ اللون. أخذ يأكلُ منه، يقتطعُ أجزاءً صغيرةً ويمضغُها ببطء وعيناه مُعلقتانِ على الجمراتِ الأخيرةِ التي أوشكت على الانطفاء. ومع هبّةِ باردة، خَبَت آخرُ جمرة، تاركةً المكانَ في برودةٍ كئيبة.

استلقى قرب الرماد محاولًا أن يمتصَّ ما تبقّى من دفءٍ فيه، دون أن يُشعلَ النارَ مجدّدًا، يعرف أنّ المواردَ لا تكفي للتبذير في رحلةٍ قد تطول. أغمض عينيه، فوجد نفسَه في حالةٍ بين النومِ واليقظة، جسدُه في مكانٍ وعقلُه في مكانٍ آخر. حاول أن يُريحَ ذهنَه المُرهق إثرَ التفكيرِ، بينما الصداعُ الذي بدأ يهاجمُه في الآونةِ الأخيرة جعل الأمر أشبهَ بصراعٍ إضافيّ.

يبدأ كوخزةٍ في مؤخرةِ الرأس، ثم يتصاعدُ إلى ضرباتٍ متتالية، كأنّ مطرقةً تدقُّ داخلَ رأسِه. أثناء ذلك، تظهرُ في ذهنِه رؤًى ضبابيّة، وجوهٌ لا يعرفُها، وأماكنُ لم يزرْها. حاول أن يُمسكَ بخيطٍ يقودُه لفهمِ شيءٍ من تلك الأمور، لكنّه لم يُفلِح.

بعد ساعات، فتح عينيه حين شعر بدفءٍ لطيفٍ يغمرُ وجهَه، وكأنّ الضوءَ يمدّ له يدًا ليُعيدَه من غياهبِ التفكيرِ إلى يقظةِ الواقع. جلس مُتّكئًا على ذراعيه، كان جسدُه ثقيلًا كما لو أنّ الأرضَ تحاول أن تُبقيَه أسيرًا لسطحِها. نظر إلى ساعتِه، فوجد أنّ الليلَ لم يَدُمْ أكثر من ثماني ساعات، أقصرَ بكثيرٍ ممّا اعتاد عليه. راودَه شعورٌ بالارتياح، فالنهارُ يَعِدُه بوقتٍ أطولَ من عشرِ ساعاتٍ قبل أن يعود الظلام.

نهض وأخذ يُكمِلُ المشي، النسَماتُ التي هبّت حولَه حملت برودةً خفيفةً مشبعةً برائحةِ العشبِ ورطوبةِ الأرض، مع تلك الرائحةِ اللاذعة التي أخذت تزدادُ حدّةً. ساعاتٌ أخرى من المشي مرّت دون أن يتغيّر شيءٌ، مجرّد امتدادٍ لا ينتهي من السهولِ الخضراء.

خالجه الشكُّ حينها: أكان اختيارُ هذا الإمتداد للهبوطِ أمرًا صائبًا؟ تذكّر كيف بدا له المكانُ من السماء، ربّما لو أمعن النظرَ أكثر لوجد مكانًا أفضل، لكنّه سرعان ما طرد تلك الفكرة، فبقائهُ سليماً كان كافياً ليشعرَ بالامتنانِ للمركبةِ التي أوصلته إلى هذا البُعدِ رغم شيخوختِها.

مع اقترابِ الغروب، أنزل حقيبتَه واتّجه نحو تلٍّ عالٍ لعلّ الارتفاعَ يكشفُ له جديدًا. بلغ القمّة وتوقّف ليلتقطَ أنفاسَه، ثم رفع بصرَه نحو الأفق. كان يتوجّس ألّا يرى شيئًا سوى التكرار… وبالفعل، امتدّت أمامَه السهولُ الخضراءُ بلا نهاية. خيّم عليه شعورٌ بالضياع، ومع ذلك لم يستسلم، أرهق عينيه بالبحث، حتى لمح بعيدًا خطًّا مستقيمًا يقطع رتابةَ المشهد. لم يكن يُشبهُ تضاريسَ الطبيعة، بدا كسُورٍ عظيم.

أشعل ذلك الاكتشاف شرارةَ الأمل داخله، ربّما وراء ذلك السور حياة، بشر، حضارة، أيُّ شيءٍ يكسرُ عزلتَه. شدّ على أنفاسِه وانطلق مُسرعًا، يعدو وكأنّه يتسابقُ مع الغروب.

غمرَه الأملُ حتى نَسِيَ آلامَ قدمَيْه وجفافَ حلقه. ومع اقترابِه بدأت ملامحُ ذلك الخطِّ تتّضح، ومعها أخذت الحماسةُ تتلاشى من على وجهِه، فما بدا له سورًا عظيمًا لم يكن سوى صفٍّ هائلٍ من الأشجارِ العملاقة. سكنت قلبَه خيبةُ أمل، لكنّه لم يستطع أن يمنعَ نفسَه من الانبهار بما يرى، كانت الأشجارُ ترتفعُ إلى مئةِ مترٍ تقريبًا، جذوعُها ضخمة، أغصانُها متشابكة، وأوراقُها كبيرةٌ بحجمِ السيارات.

أخذ يفكّر: أهي الطبيعةُ من رتّبتْها بهذه الدقّة؟ أم أنّ هناك أياديَ اعتنت بها؟ فكرةُ كونِه الكائنَ الوحيدَ في هذا الامتدادِ الموحش أصبحت تُقلقه أكثر، والنسيمُ الذي يُحرّك الأعشابَ لم يزيدُه إلّا شعورًا بالفراغ. حاول أن يطردَ الفكرة، لكنّ عقلَه ظلّ يُعيدُها إليه مرارًا: ربّما هو أوّلُ من تطأُ قدماه هذه الأرضَ منذ الأزل، وربّما يكونُ أيضًا.... الأخير.

خطرت له فكرةُ العودةِ إلى مركبتِه، تخيّل نفسه يدخلُها ليجلس أمام لوحاتِ التحكّمِ مُحاولًا تشغيلَ المحرّكات، فيكونُ صمتُها أبلغَ جواب. كان يعلمُ في قرارةِ نفسِه أنّ تلك الفكرةَ لا تتعدّى الوهم، فمركبتُه التي قطعت مسافاتٍ طويلةً عبر الفضاء لم تعُد تحتملُ المزيد، كانت بحاجةٍ إلى صيانةٍ ومواردَ غيرِ موجودة، فكرةُ محاولةِ الرحيلِ عبرها ليست أمرًا مستحيلًا فحسب، بل ضربًا من الحماقة.

أخذ نفسًا عميقًا ثم ركّز نظرَه على ما أمامَه، اقترب من شجرةٍ ومدّ يدَه ليلمس جذعَها، فوجد خشونتَه تحملُ دفئًا غريبًا، كأنّ حياةً ما تخفقُ تحت لحائِها السميك.

كان أمامَه خياران لا ثالثَ لهما: إمّا أن يتوغّلَ في الغابةِ حيثُ ينتظرُه المجهولُ بكلّ مخاطرِه، أو أن يسيرَ بمحاذاتِها على أملِ أن يلتفَّ حولَها، لكن حين ألقى نظرةً نحو كِلا الجانبين، بدا أنّ الغابةَ تمتدّ بلا نهايةٍ واضحة. جلس على صخرةٍ قريبةٍ محاولًا التفكير, الدخولُ إلى الغابة يعني مواجهةَ المجهول، أمّا الالتفافُ حولَها فربّما لا يجدي سوى إضاعةِ الوقت.

كان القرارُ صعبًا، لكنّه حسم أمرَه: سيدخل. شدّ حقيبتَه على ظهرِه، وألقى نظرةً أخيرةً على الأفقِ خلفَه، ثم خطا أولى خطواتِه داخلَ المجهول. شعر بالهواءَ تغيّر فور دخوله، صار أثقلَ، بينما الظلامُ يزدادُ كلّما توغّل أكثر. ورغم أنّ نجمَ الكوكب لم يغب بعدُ، إلّا أنّ الغابةَ كانت مغمورةً بالعتمة، لا تسمحُ إلّا ببعضِ الضوءِ بالعبور.

مع ذلك، كان في هذه البيئةِ جانبٌ مريح، فداخلَ الغابة لن يُواجِه بردَ الليل الذي يلفحُ السهولَ المكشوفة. مع كلّ خطوةٍ أعمق، ازدادت الرائحةُ اللاذعةُ التي لاحظَها منذ البداية. هذه المرّة اصبحت أشدَّ حتى شعر بوخزٍ في أنفِه، كأنّها تحاولُ أن تتركَ أثرَها عليه. حين ابتلع الظلامُ آخرَ خيطٍ من الضوء، أخرج مصباحًا كهربائيًّا صغيرًا، شُعاعُه الرفيع اخترقُ العتمة، إلّا أنّ تحدّيًا جديدًا ظهر: الرطوبةُ الخانقة. كان يتوقّع الرطوبةَ العالية داخل الغابة، ولكن ليس بهذا العنف، حتى التنفّسُ بدا عليه كجهدٍ متواصل. أثناء ذلك، كانت عيناه في حالةِ يقّظةٍ دائمة، وأُذناه تلتقطان أدقَّ الأصوات.

عندما رفع رأسَه، رأى حبالًا نباتيّةً متشابكةً في الأعلى، تُشكّل شبكاتٍ أشبهَ بشباك العناكب، بعضُها مرنٌ وبعضُها متين، أوراقٌ هائلةُ الحجم كانت تستقرُّ فوقَها قبل أن تسقطَ ببطءٍ نحو الأرض، مُحدِثةً صوتَ ارتطامٍ عميق. واصل التوغّلَ حريصًا على أن يحافظَ على اتجاهِه، فأيُّ انحرافٍ قد يعني الضياعَ في هذه المتاهةِ الطبيعيّة، حيثُ كلُّ مسارٍ يشبهُ الآخر.

الشُجيراتُ الصغيرة التي كان يصادفها زادت من صعوبةِ المرور، فاضطرّ لقطعِ أغصانِها وحبالِها ليشقَّ لنفسِه ممرًّا يسمحُ له بالتحرّك مع حقيبتِه، بينما الأصواتُ تتكاثر من حولِه وتزدادُ غرابة، حتى بدا وكأنّ الأشجارَ نفسَها تتهاَمَس. سمع خشخشةً خفيفةً بين الأغصان، ثم صوتًا أشبهَ بهمهمةِ كائنٍ يراقبُ بصبر، تداخلت الأصواتُ مع وقعٍ بعيدٍ لتكسّرِ الأغصان، ثم تبِعتْها أصواتٌ ثقيلةٌ منتظمةُ الايقاع. وقف يستمعُ بتركيز، ربّما هي مجرّدُ أغصانٍ مُتهالكةٍ تسقطُ تحت وطأةِ الزمن، وربّما هو مخلوقٌ ضخمٌ يمرّ عبر الظلامِ البعيد.

كانت عيناه المُعتادتان على عتمةِ الغابة، تبحثان مُستعينتَيْنِ بضوءِ مصباحِه، ومع الوقت بدأ يلمحُ بعضاً من الحركة: مخلوقاتٌ صغيرةٌ تنزلقُ على الأرضِ الرطبة، تاركةً آثارًا بالكاد تُرى على الطين، وأخرى أكثرُ رَشاقةً تتقافزُ بين الحبالِ الشجرية وتتحرّك بين الجذوعِ والأغصانِ كما لو أنّها تعرفُ كلَّ زاويةٍ في المكان. أكثرُ ما شدَّ انتباهَه كان عيونَها التي عكست ضوءَ مصباحِه، بعضُها أخضرُ داكن، وبعضُها أزرقُ بارد، بينما هيمنت الحمراءُ المُتّقدة. لم تكن أعينًا مُزدوجةً فقط، بل بدا أنّ بعضَها يملكُ ثلاثَ أو أربعَ أزواج، تُراقبُه كأنّها تُحلّلُ حركاتِه وتختبرُ نواياَه.

رغم غرابةِ المحيط لم يتملّكه الخوف، لم يكن ذلك دليلًا على شجاعةٍ بقدرِ ما كان وعيًا بأنّ الطبيعة مهما بدت مُقلقة، لا تُعادي أحدًا ما لم يعتدِ عليها. ومع ذلك، ظلّ في داخله قلقٌ من ظهورِ كائناتٍ ضخمةٍ تترقّبُ اللحظةَ المناسبةَ للانقضاض.

واصل المشي حتى بلغ فُسحةً تتوسّطُها شجرةٌ وحيدة، أرضُها خاليةٌ من الحشائشِ والأحجار ممّا جعلها مكانًا مثاليًّا للتخييم. جمع بعض الاغصان وأوقد نارًا صغيرة مُدرِكًا أنّ وهجَها سيجذبُ الأنظار، لكنّه آثَرَ الدِّفءَ على الحذر.

أخرج علبةً صغيرةً من حقيبتِه، وضعَها في النار قليلًا ثم أخرجَها وفتحَها، فانبعثت منها رائحةُ حساءٍ دافئ. جلس يتناولُ وجبتَه، يستمعُ لقرقرةِ معدتِه وكأنّها تشكرُه على هذه الهديّة.

كان يُحس بتلك العيونِ تُراقبُه، لكن غريزتَه لم تُرجّح وجودَ خطرٍ قريب. حين أنهى الحساء وأطفأ النار، عاد الظلامُ ليبتلع المكانَ، ظلّ يقظًا طوالَ الليل حتى بدأت السماءُ تتغيّر، ومع ضوءِ النهار بانت له بعضُ المخلوقاتِ غريبةَ الشكلِ لكن مألوفةً في الوقتِ نفسِه، وكأنّها عبرت دربًا آخر من مسالكِ التطوّر.

أحدُها أقربَ إلى السنجاب، إلّا أنّه يملكُ ثلاثَ عيون، اثنتانِ تُحدِّقان فيه والثالثةُ في منتصفِ جبهتِه تتحرّكُ بلا توقّف. كان يقفُ على قدميه ممسكًا برأس مخلوقٍ صغير، ظلّ يُحدّق بالشابّ بفضولٍ وحذر، كأنّه يُقرّر: أهذا الغريبُ خطرٌ أم مجرّدُ عابرِ طريق؟

»ثلاثُ عيون… غريبٌ فعلًا.»

قال ثم واصل تقدّمَه، حتى بدأ يلحظ أنّ أصوات حركةِ المخلوقات أخذت تخفّت، حتى الأغصانُ التي تترنّحَ مع الرياح تجمّدت، بدا كأنّ المكان سكن في انتظارِ ما هو قادم.

***

استمر بالمشي حتى رأى ضوءًا يأتي من الأمام، تملّكه الفضولُ والحيطة، تقدّم والأشجارُ تتقاربُ من حولِه تترك له ممرًّا ضيّقًا، ما إن عبر ذلك الضوءَ حتى رأى مساحةً كبيرة، أرضُها مكسوّةٌ بالعشب، بينما وجد في مركزِها جلمودٌ هائلُ الضخامة. كان الأمرُ غريبًا حدَّ التناقض، مساحةٌ مفتوحةٌ تمتدّ لمئاتِ الأمتار في وسطِ غابةٍ خانقةٍ بالكثافة.

لم يشعرِ الشابُّ بالطمأنينة، أمعن النظرَ فلاحظ حُفَرًا مُغطّاةً بالعشب، بدت مُرتّبةً كما لو كانت مواقعَ أشجارٍ اقتُلِعت من جذورِها. تجنّب العبور من المكان مباشرة مُفضّلًا السيرَ بمحاذاتِ الساحة، وبعد أن قطع نصفَ المسافة وهو يلتفّ رأى فُوّهةً ضخمةً في جانبِ الجلمود. تجمّد في مكانِه، إذ لطالما كانت الكهوفُ مأوىً لمخلوقاتٍ لا يُحمَدُ لقاؤُها.

زاد حذرُه وواصل الالتفاف، فجأةً دوّى في السماءِ صوتُ ارتعاشِ أجنحة، ثم انطلق سربٌ من الطيورِ من أعالي الأشجار. تسارعت نبضاتُ قلبِه وهو يسمعُ الأصواتُ تقتربُ: ارتطامٌ ثقيلٌ مُتكرّرٌ يهزُّ الأرضَ، يُصاحبه صوتُ تكسُّرِ الأغصان.

رغم أنّ الهروبَ كان خيارًا، إلّا أنّ مزيجًا من الخوفِ والفضولِ جعل الشابَّ يتّخذُ لنفسِه مخبأً بين الأعشاب، مُترقّبًا ما سيظهر. وبعد انتظارٍ قليلٍ ظهر مخلوقٌ عملاقٌ طولُه لم يقلُّ عن خمسةِ أمتار، جسدُه ذو هيئةٍ بشريّة بينما ببشرتُه رماديّةٌ كالصَّخر فيها ندبةٌ واحدةٌ على الصدر. لم يرتدِ سوى كساءٍ بدائيٍّ من أوراقٍ ضخمة رُبطت حول خصرِه بحبلٍ عشبيّ.

امتلك عينًا واحدةً حمراء بينما لم يكن له أنف، بل فمٌ عريضٌ تخرجُ منه أنيابٌ مُنحنية، ولم يُغطِّ رأسَه شعرٌ، لكنَّ قرنًا ضخمًا مُنحنيًا كالهلال ارتفع من جبينه كأنّه سلاحٌ إضافيٌّ يُكمّل ترسانتَه الطبيعيّة, يمسك بجذعَ شجرةٍ ضخم يسنده على كتفه، بينما جرَّ أيلًا ضخمًا، رأسُه مُهشّمٌ بينما دمائهُ تختلط بفرائِه الكثيف.

بدا في حركة العملاق شيءٌ من عدمِ الاتّزان. وعلى الرغم من رَهبةِ المشهد بقي الشابُّ مُختبئًا بين الأعشاب، مُترقّبًا دخولَ العملاق إلى الكهفِ حيثُ بدت وجهتُه. عندما وصل إلى المدخل توقّف فجأةً، التفتت وعينُه تجولُ المكانَ كمن يبحثُ عن شيءٍ بعينه.

عندها، شعر الشابُّ وكأنّ قلبَه انكمش داخل صدرِه، حاول التحكّم بأنفاسِه بينما العينَ توقّفت عند مكانِ اختبائه، توجه نظرةِ مخلوقٍ لا يعرفُ سوى القتلِ لَرُبّما. شعرَ الشابُّ وكأنّ عقاربَ الزمنِ قد تجمّدت. لكنّ العملاق التفَتَ ودَخَلَ الكهف حتى ابتلعتْه العتمةُ تمامًا. في تلك اللحظةِ زفَرَ الشابُّ نفسًا عميقًا، لكنّ ارتياحَه لم يَدُمْ، إذ بدأتْ أصواتٌ غريبةٌ تأتي من عُمقِ الفُوّهة.

سرَتْ قشعريرةٌ في جسدِه وإحساسٌ داخليٌّ يُحذِّرُه من خطرٍ وشيكٍ. وبينما عيناهُ تُحدِّقان في السوادِ، اندفعَ شيءٌ صوبَه بسرعةٍ عاليةٍ، حتى إنّ عينَيْه لم تتمكّنا من رصدهِ إلّا متأخِّرتين. خالجه عندها مشهدٌ مشابهٌ من ماضيه، مشهدٌ دُفن بين الذكريات. لم يتسنَّ له الوقتُ للتفكير، غريزتُه تولّت القيادة، فاندفع جانبًا إلى الأمام.

لم يكن المكانُ الذي قفزَ إليه ساترًا، لكنّه كان الخيارَ الوحيد، اندفع في الهواء مسافةَ أربعةِ أمتار، وساقاهُ تصرخانِ جرّاءَ الجهدِ المفاجئ، وقبل أن تلامسَ قدمَاه الأرضَ دوّى صوتُ تحطُّمٍ مَهول. استدارَ وسطَ قفزتِه فرأى المكانَ الذي كان يختبئُ فيه قد تحوّل إلى حُطام. بدا الأمرُ وكأنّ قذيفةً حربيّةً ضربتِ المكان. الأغصانُ تشرذمتْ والصخورُ تطايرتْ، كان هناك أشلاءٌ ممزّقةٌ مُعلّقةٌ على فروعِ الأشجار، عظامٌ بيضاءُ بارزةٌ من بين الركام، ومُقْلةُ عينٍ ضخمةٍ لا تزال سليمةً، تُحدِّقُ في الفراغ. عندما هبطَ الشابُّ على الأرض، نزعَ حقيبتَه بسرعةٍ ووقفَ متسمّرًا، فجأةً خيّم ظلٌّ حولَه، استدارَ فإذا بالعملاق يقفُ على بُعدِ خطواتٍ قليلة، لم يكن في نظرتِه سوى مَن يرى أمامَه ما لا يستحقّ البقاء.

شعرَ الشابُّ بالرهبة، لم يكن الخوفُ وحدَه ما سيطر عليه، بل عجزٌ كاملٌ أمام قوّةٍ لا تُقارَن. حاول أن يبتلعَ ريقَه وتراجعَ خطوةً، فيما عقلُه يلهثُ بحثًا عن مخرج: الهرب؟ صعب. الاختباء؟ عَبَث. القتال؟ فكرةٌ مُضحكة. أكثرُ ما حيّرَه هو كيف تمكّن المخلوقُ الضخمُ من تقليصِ المسافةِ بينهما بتلك السرعة.

لحظةُ صمتٍ وقعَتْ بينهما حتى رفع العملاق هراوته مستعدّاً لسحق الشابِّ بضربةٍ واحدة. الشابُّ بدافعِ غريزةٍ يائسة رفعَ يدَيْه أمامَه، حركةٌ بلا جدوى، لكنّه لم يجد غيرَها. وبصوتٍ مُرتجفٍ قال:

»مَـ... مَهْلًا لحظة! لم أقصدْ أيَّ سوء!»

أوقفتْ كلماتُه العملاق، أنزلَ الهراوةَ وأسندَها على كتفِه، ومن أعماقِ حنجرتِه صدر صوتٌ غليظ:

»أنتَ سيّئٌ بالكذبِ أيُّها البشريُّ الصغير.»

اتّسعتْ عينا الشابّ، ليس خوفًا هذه المرّة بل ذهولًا. نبرةُ العملاق حملتْ سخريةً تكشفُ عن عقلٍ واعٍ بلا شكّ. خالَجَ الشابَّ ارتياحٌ مُباغت، المخلوق لم يكنْ مجرّدَ آلةٍ للقتل، بل كائن يُفكِّر ويفهم. تلعثمَ قليلًا قبل أن يجدَ صوتَه يَخرُج:

»إذًا… أنتَ تستطيعُ فهمي؟ هذا… جيّد!»

توقّفَ لحظةً ثمّ تابعَ بصوتٍ يحاولُ أن يبدو ثابتًا:

»كما قلتُ… لم يكنْ في نيّتي أيُّ سُوء، كنتُ أبحثُ عن طريقٍ لعبور هذه الغابة.»

اتّسعتْ عينُ العملاق قليلًا ثم انحنى قائلًا: »أيّها البشريّ… أنتَ تفهمُ كلامي؟»

رغم الصدمة، أجابَ الشابُّ بعد لحظةٍ من التردّد: »نـ… نعم… أستطيعُ فهمَكَ… بطريقةٍ ما.»

اعتدلَ العملاق وتنهد، ثم ارتسمَ على ملامحِه أثرٌ لشيءٍ يُشبهُ الحنين وهو يقول: »كم مضى من العقودِ منذ أنْ تحدّثتُ مع بشريّ؟»

حينها، ارتختْ قبضةُ الخوفِ التي كانت تُطوِّقُ الشابَّ قليلًا وشعرَ ببعض الراحة، لكنها سرعان ما اختفتْ حين حدّقَ العملاق فيه بعينِ الكراهية، ثم خرج صوتُه مشوبًا بالازدراء:

»لكن يا للأسف… أن يكون أوّلُ مَن أُكلِّمُه بعد كل تلك السنين بشريًّا ضعيفًا.»

اتّسعتْ عينا الشابّ وتجمّعتِ الكلماتُ على طرفِ لسانِه، فجأةً تحرّكَ العملاق بسرعةٍ تُناقضُ حجمَه، رفعَ هراوتَه ولوّحَ بها لا كتحذيرٍ بل كضربةٍ تحملُ نيّةً صريحةً للقتل. اندفعتِ الضربةُ من اليسارِ بسرعةٍ ألغتْ أيَّ مجالٍ للتفكيرِ أو المراوغة. لم يمتلك الشابُّ إلّا أن يرفعَ ذراعَه في محاولةٍ للصدّ، مُستعينًا بالأخرى لتثبيتِها، ثمّ وقعَ الاصطدام.

ارتجَّ المكانُ بصوتِ تَصدُّع، لم يدرِ الشابُّ أهو صوتُ الخشبِ أم تهشُّمُ عظامِه تحت وَطْأةِ الضربة. حاول أن يغرسَ قدمَيْه في الأرض ليتماسك، لكن مع ضغطٍ إضافيٍّ من العملاق ارتفعتْ قدمَا الشاب عن الأرض ليطيرَ في الهواء. ضاق صدرُه وهو يرى الأرضَ تقترب، الارتطامُ الأوّل كان كالمطرقة، تبِعَتْه ارتداداتٌ متتالية، وبعد عشراتِ الأمتارِ سكنَ كلُّ شيء. تمدّدَ الشاب بلا حراك، أمام ذلك لم يُبدِ العملاق ندمًا، نظر إليه بفتورٍ كمن ينظر لشيء تكرّر لمئاتِ المرّات. حكَّ الفراغَ بين عينِه وفمِه حيث من المُفترض أن يوجدَ الأنف، ثم قال:

»ربّما لم يكنْ عليَّ إنهاءُ الأمرِ بتلك السرعة... سُحقًا لذلك البشريّ! جعلني أضعُ توقّعًا عاليًا لِغرباءِ الملبس.»

استدارَ وتوجّه نحو الكهف غيرَ آبهٍ بما خلّفَه، لكنّ إحساسًا غريبًا خالجه. توقف والتفت ينظرُ إلى حيثُ سكن جسدُ الشابّ، فرأى ما لم يكنْ بالحُسبان. وسطَ الغبارِ اهتزّ ذلك الجسدُ ثمّ بدأ يرفعُ نفسَه كمن ينهضُ من قبرِه. وقفَ أخيرًا، ونظر إلى العملاق بعينَيْن خاليتَيْن من الخوف، كأنّهما مرآةٌ لروحٍ جديدة.

لأوّلِ مرّةٍ منذ عقودٍ شعرَ العملاق بذلك الشعور: لم يكن قلقًا ولا دَهشة، بل شيءٌ في أعماقِه يُذكِّرُه بضعفِه القديم. لاحظَ هالةً مُظلمةً بدأتْ تدورُ حول الشابّ تُثيرُ الغبارَ , أدركَ أنّ ما أمامَه ليس شخصًا عاديًّا، سبق له وأن واجهَ خارج الغابة أقوى المحاربين: فرسانًا وسَحَرةً ومغامرين، جميعُهم اندفعوا نحوه بأحلامِ البطولة ثم سقطوا. لكنّ هذا الشابَّ كان مختلفًا، في عينيه لم يرَ خوفًا أو كراهية، بل شيئًا آخرَ غيرَ مفهوم.

كَشَّر العملاقُ عن أنيابَه بغضب، أمّا الشابُّ فبهدوءٍ مُستفِزّ نزعَ ساعتَه المحطَّمةَ عن معصمِه, دسَّها في جيبِه ثم سحبَ خنجرَه الأسودَ وتقدَّمَ نحو العملاق الذي تصاعدتْ أنفاسُه الحارّة واحمرّتْ عينُه أكثر وهو يقول بنبرةٍ محملةٍ بالغضب:

»مَن تكونُ يا هذا؟!»

لم يُجِبِ الشابُّ، في المقابلِ انحنى العملاق ثم اندفع، كلُّ خطوةٍ منه كانت تمزّقُ الأرض. اندفع الشابُّ بدوره، بدا جسدُه صغيرًا أمامَ الطوفانِ الجارفِ للانفجارِ الهوائيّ أمامَه. اثناء الاندفاع, تحرك العملاق بسرعةٍ أكبر، عضلاتُه تنقبضُ استعدادًا لضربةٍ قاتلة. التقطَ الشابُّ تلك الإشارة قبل أن تأتيَ الهجمة، وفي اللحظةِ التي هَوَتْ الهراوةُ فيها عليه كان قد قفزَ مُبتعدًا. ارتجّتِ الأرضُ إثر قوّةِ الضربة بينما دفعت الرياحُ الناتجةُ عن الصدمة الشابَّ في الهواء حتى كاد يفقدُ توازنَه.

رفضَ أن يسمحَ للأمر أن يسلبَه زمامَ المبادرة، ما إن لامستْ قدمَاه الأرضَ حتى انطلقَ بينما أكملَ العملاق بهجومٍ آخر، هراوتُه تَشقُّ الهواءَ مُسبِّبةً موجةَ ضغطٍ عاتية. أمام ذلك انزلقَ الشابُّ على العشب، شعرَ ببرودةِ العشبِ بينما لفحته حرارةُ الهواءِ فوقه.

قفزَ بعدَ الانزلاقِ مستغلًّا اندفاعَه، وسدّدَ ضربةً نحو خاصرةِ العملاق. بدا الخنجر كإبرةٍ تحاولُ اختراقَ درعٍ فولاذيّ، ومع ذلك نجحَ في اختراق الجلدِ قليلًا، تاركًا أثرًا من الدمِ الداكن.

وقفَ الشابُّ بعدها على بُعدِ أمتارٍ يلهث، فيما سادَ السكونُ للحظةً قبلَ أن ينفجرَ العملاق بضحكةٍ تنضحُ بالسخرية. نهضَ ثم رفعَ إصبعَه مُشيرًا إلى الخنجرِ وهو يقول:

»ما هذا؟ أهذا هو سلاحُك حقًّا؟! ظننتُك ستُشهِر أيَّ شيء يليقُ بمواجهةٍ كهذه، لا مجرّد خنجرٍ تافه!»

رفعَ الشاب خنجرَه وقال بنبرة هادئة: »هذا… ليس خنجرًا عاديًّا، كان نصلُه فضّيًّا، لكن بعد أن قضى أكثرَ من سبعينَ عامًا غارقًا في خليطٍ من أقوى السُّموم… أصبحَ بهذا اللون.»

لمعتْ عينُ العملاق بينما ارتجفَ جسدُه قليلاً، استعادَ تماسكَه سريعًا وقال بغرور:

»تظنّ أنّ السُّمَّ يُؤثِّرُ عليَّ؟ لِسوءِ حظِّك، جسدي حصيـ…»

قبل أن يُنهيَ جملتَه شعرَ بشيءٍ غريبٍ داخِلِه، لم يكنْ ألمًا، بل خللًا في إيقاعِ نبضِه، بينما العالمُ بدأ يفقدُ حدودَه حوله. رفعَ يدَه إلى رأسِه يشعرُ بدوّامةِ الدُّوارِ تبتلعُه، أدركَ بمرارةٍ أنّه أصبحَ تحتَ تأثيرِ شيءٍ غريب لم يسبِق له أن جَرب مِثله. توهّجتْ عينُه بغضبٍ عن أدراكٍ متأخّر بأنّه وقعَ في خطأٍ صنعتْه غطرستُه.

كيف سمحَ لنفسِه أن يظنَّ أنّ الشابَّ مجرّدُ خصمٍ ضعيف؟ كيف أقنعَ نفسَه أنّ ذلك السلاحَ لن يتركَ أثرًا؟ مع ذلك, خالجهُ إحساسٌ قديمٌ حينها، إحساسٌ دفنَه بين ركامِ مئاتِ المعاركِ السهلةِ والانتصاراتِ التي جعلتْه يظنُّ أنّه لا يُقهَر: نشوةُ البقاء. مرّتْ ابتسامةٌ على وجهِه ثم اندفعَ نحو الشابّ، خطواتُه لم تكنْ كما كانت، بدا فيها اضطرابٌ كأنّ جسدَه بدأ يخونُه تحت وطأةِ الخَدَر.

لاحظَ الشابُّ ذلك واندفع هو الآخرُ بينما رفعَ العملاق هراوتَه وهوى بها بقوّة. استعدَّ الشاب لتفادي الهجمة، لكنّ الهراوةَ انحرفتْ عن مسارِها فجأةً لتضربَ الأرضَ عمدًا. اهتزّتِ الأرضُ تحتَهما كما لو تحوّلَت إلى أمواجِ بحرٍ هائج. فقدَ الشابُّ توازنَه وارتفعَ في الهواءِ يدورُ بلا اتّزان، طارت حقيبتُه البعيدة كذلك لتتبعثر محتوياتُها، كما وافلتت يده التي أضعفتْها الهجمة الأولى خنجره.

حاولَ أن يستعيدَ توازنَه لكنّ الوقتَ لم يُسعِفْه، ظلٌّ ضخمٌ اندفعَ نحوَه بسرعةٍ، وفجأةً اجتاحَ الألمُ جسدَه كطوقٍ حديديّ حين أصبحت قبضةُ العملاق تضغطُ على عليه حتى سمعَ طقطقةَ عظامِه.

»أمسكتُ بك!»

قال والخبثُ يفترشُ وجهَه، فمُهُ يكشفُ عن أسنانٍ ملطّخةٍ وعينُه تتلذّذُ بمشاهدة الشابِّ يختنق. شدَّ قبضتَه أكثر حتى صار الألمُ لهيبًا يشتعلُ في جسدِ الشابّ.

»لو لم يكنْ هذا السُّمُّ اللعينُ يسري في عروقي الآن… لكُنتُ قتلتُك بعصرةٍ واحدة.» ضحكَ ثمّ تابع:

»لكن لا بأس… ضعفي هذا في صالحِك، ستبقى حيًّا لفترةٍ أطولَ قليلًا.»

توقّف ثم مالَ برأسَه وكأنّ فكرةً أكثرَ قسوةً خطرتْ ببالِه: »أو ربّما العكس… سأجعلُ موتَكَ بطيئًا، وأستمتعُ بكلّ لحظةٍ من عذابِك.»

لم يُطلقِ الشابُّ أيَّ صرخةٍ رغم الألم، أثارَ ذلك استغرابَ العملاق الذي اقتربَ حتى كادتْ أنفاسُه تلسعُ ملامحَ الشابِّ ليقول:

»أتَعلم؟ بدأتُ أفكّرُ في الإبقاءِ على حياتِك… أغلبُ البشرِ ينهارون في لحظاتِهم الأخيرة، لكنّك مختلفٌ… لستَ كذاك البشريِّ الجبانِ الذي فرَّ مع تلك الإلفيّةِ الحقيرة.»

دخلتِ الكلماتُ مسامعَ الشابِّ لكنّها لم تستقرَّ بوضوحٍ، قال بصوتٍ خرجَ من أعماقٍ متصدّعةٍ: »كلُّ ما أردتُه… أن أرحلَ من هذا المكانِ بسلام… لم أكنْ أبحثُ عن المشاكل.»

قهقهَ العملاق ثم قال باحتقار: »أنتمُ البشر دائمًا ما تُردِّدون الكلامَ ذاتَه، السلامُ؟ أنتم آخرُ من يحقُّ لهم النطقُ بهذه الكلمة.»

بعدها، رفعَ إبهامَه ليبدأ الضغطَ على رأسِ الشابّ، انتظرَ صرخةَ الاستسلامِ والرّجاءِ المذعور، لكن لم يأتِ أيُّ صراخٍ أو تَوَسُّل. بدلًا من ذلك حدثَ ما لم يتوقّعْه: ارتجَّ إبهامُه وارتفعَ. ظنَّ الأمرَ وَهْمًا من عقلِه المخمورِ بنشوةِ السيطرة وأثر الخدر. لكنّ التراجع استمرّ، لم يكنْ هو مَن تراخى، بل الشابُّ هو مَن كان يدفع.

اتّسعتْ عينُ العملاق مذهولًا، كيف لمخلوقٍ صغيرٍ أن يُجبرَه على التراجع؟ أيُّ عبثٍ هذا؟ أيُّ جنون؟ تحوّلَ الذهولُ إلى غضبٍ، شدَّ قبضتَه أكثر ووجهُه يشتعلُ بالحَنَق, رفعَ يدَه الأخرى ليُطبِقَها حولَ الشابِّ لينهيَ الأمرَ بشكل أسرعَ, أدركَ الأخير أنّ أمامَه ثوانيَ معدودةً فجمعَ ما تبقّى من عزيمتِه ليقفز فجأةً مُتملِّصًا من قبضةِ العملاق.

أطبقتْ قبضةُ العملاق على الفراغ بينما سقطَ الشابُّ على الأرضِ مترنّحًا، نهضَ بسرعة وعيناهُ تبحثانِ وسطَ الفوضى، رأى حقيبةٌ صغيرةٌ على الأرض، ركضَ نحوَها بخطواتٍ متعثّرةٍ، التقطَها بيدٍ مرتجفةٍ ليُخرِجَ منها كرةً معدنيّةً.

ضغطَ زرًّا في وسطِها فأضاءتْ شاشةٌ صغيرةٌ بعدٍّ تنازليٍّ من ستين ثانية، ضغطَ ثانيةً فتقلّص العدُّ إلى ثلاثين، ثم خمسَ عشرةَ، وأخيرًا… إلى خمسِ ثوانٍ. التفتَ فوجدَ العملاق قادمًا نحوَه، قبضَ على الكرةِ بقوّةٍ ثم رماها لتُصيب جبهةِ العملاق مُحدِثةً صوتًا رنّانًا، فبدا على ملامحِه الدَّهشُ أكثرَ من الألم.

وبينما همَّ بالسخرية، لمعَ ضوءٌ أمامَه، تحوّلتِ الكرةُ إلى كتلةٍ مُتوهِّجة ثم حدثَ الانفجار. تصاعدتْ ألسنةُ النارِ تغمرُ النصفَ العُلويَّ من جسدِه، بينما الأرضُ تهتزُّ تحتَ وقعِ الانفجار. تراجعَ العملاق مترنّحًا، خانتْه ساقاه فسقطَ جاثيًا يزأرُ كوحشٍ جريحٍ وسط ألسنةِ اللهب.

لم يتوقّع الشابُّ أن يكونَ الانفجارُ بتلك القوّة، ومع ذلك لم يسمحْ للذّهول أن يشلَّ حركتَه. مدَّ يدَيْه يلتقطُ بعضَ الأغراضِ دون أن يعيَ ما جمعَه، واضعًا إيّاها في حقيبةٍ صغيرةٍ، ثم انطلقَ يركضُ بكلّ ما أوتي من قوّة. مرَّ بجانبِ العملاق، انتزعَ خنجرَه الأسودَ المغروسَ في الأرض، قبل أن يُتابعَ حتى وصلَ إلى الجهةِ الأخرى حيث كان عليه أن يُواصلَ طريقَه، هناك سمحَ لنفسِه بالتوقف. انحنى يلتقطُ أنفاسَه مُستندًا إلى جذعِ شجرةٍ قريبة، عظامُه تئنّ، ويدُه اليُسرى تنبضُ بالألم.

التفتَ ليرى العملاق جاثيًا ويدُه تُغطّي وجهَه. شيئًا فشيئًا بدأ الدخانُ يتلاشى كاشفًا عن فظاعةِ الضررِ الذي لَحِقَ به. كان لحمُ وجهِه مَسلُوخًا يكسوه دمٌ حارّ، وما أثارَ دهشةَ الشابِّ أنّ عينَ العملاق بقتْ سليمةً، بل ازدادتْ رعبًا بعد أن غمرَتْها الدماءُ مُحوِّلةً بياضَها إلى حُمْرةٍ قاتمة.

لاحظَ أن يدَ العملاق الأخرى لم يتبقَّ منها شيءٌ سوى طرفٍ مُحترق, رجح بأنّه ربّما رفعَها في اللحظةِ الأخيرة ليقيَ وجهَه من الانفجار.

»أنا آسف… أنت مَن أجبرتَني على فعلِ ذلك.»

قال الشاب بينما بقي العملاق ينظرُ إليه وهو يختفيَ بعيدًا بين ظِلالِ الأشجار.

***

مع بزوغِ فجرِ اليومِ التالي، وانقشاعِ الضبابِ الباردِ وتلألأ قطراتُ النَّدى فوقَ الأوراق، بانَت ملامحُ الشابّ بملابسٍ متّسخةً بالوحلِ والعشب، ذراعه اليُسرى كانت مربوطةً بأربطةٍ عشبيّةٍ صنعَها بنفسِه لتثبيتَها. واصلَ المشيَ دون توقّف محاولًا الابتعادَ قدرَ المستطاع يعتقد أنّ الغابةَ قد تُخفِي مخلوقًا أشدَّ خطورة من الذي واجهه.

بمرورِ الوقتِ بدأ يُلاحِظ تغيُّرَ البيئةِ من حولِه: الأشجارُ العظيمةُ غدتْ أصغرَ حجمًا تسمحُ لنورٍ أكثر بالمرور، الأرضُ بدأتْ تصيرُ أكثرَ وُعورةً، الهواءُ أنقى، والأصواتُ أبهج. لم يعُد المكانُ خانقًا كما السّابق، لكنّ الحذرَ ظلَّ يُرافِقُه. لم تمضِ فترةٌ طويلةٌ حتى رأى نورًا يأتي من الأمام.

تقدّمَ نحوهُ مُحتَرِزًا، وحين عَبَرَه استقبلَه نسيمٌ باردٌ نقيّ، هواءٌ صافٍ لم يستنشقْ مثلَه منذ زمنٍ بعيد جداً. أغمضَ عينَيْه كأنّما يتذوّقُ الهواءَ، ثم حلَّ الحبلَ الذي يلفُّ ذراعَه ثمّ قبضَ كفَّه وأرخاها عدّةَ مرّات ثم أدارَ معصمَه وكوعَه قبل أن يقول:

»يبدو أنّها تعافَتْ إلى حدٍّ جيّد.»

رفعَ رأسَه يُحدِّقُ في الأفق حتى لمحَ سورًا بعيدًا بدا أقصرَ من سورِ الأشجارِ التي مرَّ بها، خلفَه ارتسمتْ عدةُ أشكال: بعضها تعلوه قبابٌ نصفُ كُرَويّة، وبعضُها يبرزُ بقِمَمٍ حادّة وأخرى مُسطَّحة.

اندفعتْ قدمَاه متعثّرتَيْن أوّلَ الأمر، ثم سرعان ما تحوّلتْ خطواتُه إلى عَدْوٍ سريع. عندما اقتربَ، ظهر بأن السور مُشيَّدٌ من جذوعِ الأشجارِ الضخمةِ لكن بحجمٍ أصغر. في منتصفِه ارتفعتْ بوّابةٌ خشبيّةٌ متينة، أمامَها اصطفَّ جمعٌ من الناسِ في طابورٍ ينتظرونَ الدخول. حين اقتربَ بما يكفي لتمييزِ ملامحِهم، شَهِقَ ثمّ همسَ لنفسِه بعدمِ تصديق:

»إنّهم… بَشَر!»

تحرّكَ نحوَهم غير أنّ حدسَه أوقفَه، فانحنى خلفَ صخرةٍ قريبة، يُخفي جسدَه تمامًا ويتركُ لعينيه فقط حرّيّةَ المراقبة. أمامَ البوّابةِ وقفَ رجالٌ ونساءٌ بملابسَ بسيطة، بعضُها قديمٌ وبعضُها الآخرُ أنيقٌ نظيف. منهم مَن كان صامتًا ومنهم مَن تبادلَ الأحاديث.

كانت هناك فئةٌ منهم بدت مختلفة: يرتدونَ ملابساً ذات قطعٌ معدنيّة، ويَحملون سيوفًا وخناجرَ ورماح. تلك الفئةُ لم تكن أكثرَ ما أدهشَه، بل كانوا اولائك القِلّةُ التي اختلطت صفاتُهم بصفاتٍ غيرِ بشريّة: قرونٌ وذُيولٌ وتفاصيلُ لا تدعُ مجالًا للشّكِّ بأنّهم غيرُ عاديّين. تأمّلَهم قليلاً ثم مالَ إلى حقيبتِه يفتحُها ليُعيدُ ترتيبَ محتوياتِها.

وضعَ سلاحَه في الاسفل، إلى جوارِه حقيبةً صغيرةً مليئةً بالقنابل، ثم بعض الأغراضِ العاديّة: عبوةُ غَسول، ثلاث عُلَبِ كارتونية، وقارورةُ ماءٍ في الأعلى. بدا كلُّ شيءٍ طبيعيًّا: مُجرّدُ مسافرٍ يحملُ حاجاتِه البسيطة، أمّا خنجرُه فأبقاه مُعلَّقًا بحزامِه، فحملُ السلاحِ أمرٌ بديهيّ لمسافر. نفَضَ الغبارَ عن ملابسه محاولًا أن يبدو مقبولًا قدرَ المستطاع. وحين لاحظَ انشغال الحارسين خرجَ من خلفِ الصخرةِ وسارَ حتى وقفَ في نهايةِ الطابور.

هناك استسلمَ أخيرًا لنفَسٍ عميقٍ، كان أمامه رجلٌ ضخمٌ يقاربُ طولُه المترَيْن، رأسُه الأصلعُ يلمعُ كالمرآة، وبشرتُه السمراءُ بدت كأرضٍ خصبةٍ بعد المطر، مُزدانةً بندوبٍ تحكي تاريخًا من المعارك.

ومع أنّ هيبتَه تكفي لشدِّ الانتباه، إلّا أنّ أكثرَ ما أثارَ فضولَ الشابِّ حولَه كان ذلك الشيءَ الملفوفَ بوشاحٍ أبيضَ المُعلَّقَ على ظهرِه، بطولٍ يكادُ يُقاربُ طولَه. حينها أخذ يفكر: كيف سيتواصلُ مع هؤلاء؟ اللغاتُ على كوكبِه مختلفةٌ بين بلدةٍ وأخرى، فكيف بلغةِ على كوكب بعيد؟ هل سيفهمُهم؟ هل سيتمكّنُ من تعلّمِ لغتِهم؟

راحتْ أفكارُه تتكاثرُ حتى جاءته لمسةٌ رقيقة على ظهرِه لم يَحِسَّ بها، فتبِعَتْها أخرى مصحوبةٌ بصوتٍ ناعم:

»عذرًا يا سيّدي…»

التفتَ فلم يجدْ أحدًا على مستوى نظره، اخفّض بصرَه فرأى فتاةً صغيرة أشبهَ بزهرةٍ ربيعيّةٍ ناعمة، بعينينِ واسعتين بلونِ الزمرّدِ المُصفرّ تعكسان ضوءَ النهارِ بصفاءٍ ساحر.

شعرها الأشقر القصير لامس بشرتَها الورديّةَ الناعمة، وابتسامتها البريئةُ أضفتْ على ملامحِها دِفئًا عجيبًا. غطّى رأسَها وشاحٌ قرمزيٌّ متناغمٌ مع فستانٍ باللونِ نفسِه أنيقٍ بطريقةٍ فريدة. وسطَ الطابورِ المليءِ بملابسَ باهِتةٍ بدا فستانُها كزهرةٍ وحيدةٍ تفتّحتْ في أرضٍ قاحلة.

بقي الشابُّ مأخوذًا بسحرِها للحظة، غيرَ أنّ عينَيْه سرعانَ ما التقطتا شيئًا غريباً: الحقيبةُ الضخمةُ التي كانت تحملُها خلفَ ظهرِها. كانت حوافُّها مُرقَّعةً بقطعِ قماشٍ مختلفةِ الألوان، بعضُها جديدٌ وبعضُها قديم. تساءل: كيفَ لفتاةٍ بهذا القوامِ الرقيقِ أن تحملَ مثلَ هذا العبءِ؟

»عذرًا، هل تتحدّثينَ معي؟»

»نعم، أردتُ فقط أن أعرفَ ما إن كان المكانُ خلفَك محجوزًا لشخصٍ ما يا سيّدي.»

»لا أظنّ… لقد وقفتُ هنا للتوّ، ولم يعترضْ أحد.»

»هكذا إذًا، أشكركَ.»

لم تُبعدْ نظراتُها عنه بعد قولها ذلك، كانتْ عيناهَا تتحرّكانِ بسرعةٍ كأنّهما تبحثانِ عن شيءٍ في ملابسِه. شَعَر ببعضِ الحرجِ فأخفاه بإيماءة. عندما استدارَ ظلّ يشعرُ بنظراتِها منصبّةً عليه، حاول أن يتجاهلَها، ركز نظرَه ناحية الناسِ حيث الأصواتُ ترتفعُ وتنخفض، فشلَ في التقاطِ المعاني من بعيد، فقرّر أنّ يعتمدَ على ما هو أكثرُ من الكلمات: لغةِ العيون وتعابيرِ الوجوه. فجأةً، رفعَ رأسَه نحو السماءِ متأمّلًا زرقتَها البديعة، ثم ابتسمَ ساخرًا من نفسِه وهو يُدركُ بأنّه كان غارقًا في قوقعةٍ مُغلَقة، وأنّه الآن استطاع أن يُطِلّ إلى ما وراءَها. حين عادَ بنظرِه إلى الفتاةِ حدّقَ بها لحظاتٍ حتى سألتهُ بنبرةٍ قلقة:

»هـ… هل هناك خَطْبٌ ما يا سيّدي؟»

»لا… فقط… نحن نتحدّثُ نفس اللغة، أليس كذلك؟»

ارتبكت الصغيرةُ للحظة ثم أجابتْ بنبرةٍ مُتسائلة: »أجل… نحن نفعل؟»

حينها اندفعتْ من أعماقِ ذاكرته كلماتٌ فتحت بابًا قديماً في ذهنِه، معها خالجه شعورٌ بالحزن لنسيانِه تلك الكلمات. أغمضَ عينَيْه، وابتسمَ ابتسامةً واهنة وهمس: »لا أُصدّق أنّني نسيتُ ذلك…»

أمّا الصغيرةُ فكانتْ تنظرُ إلى ملامحِه بفضول، ولمّا انتبه إلى ارتباكِها ابتسمَ وقال: »آسف، ربّما بدوتُ غريبًا.»

»لا بأس، كلُّنا نقولُ أمورًا غريبةً أحيانًا.»

قالت مع ابتسامةٍ ثم تغيّر الجوُّ من بعيد، تعالتْ أصواتٌ من مقدّمةِ الطابور، حيث كان هناك ما بدا أنّه طفلٌ صغيرٌ ذو شعرٍ أخضرَ يتلوّى في قبضةِ أحدِ الحُرّاس، بينما حمارٌ صغيرٌ يستمر بالنُهاق على مقربة. ارتسمت على شفتيْ الصغيرة ابتسامةٌ ساخرة وهي تقول:

»يبدو أنّ الانتظارَ سيطولُ بعضَ الشيء.»

وبينما كان الشابُّ منشغلًا بالمشهد، ألقتْ عليه نظرةً أعمق، بدتْ عيناهَا وكأنّهما تمسحانِه من رأسِه حتى قدميْه قبل أن تسأله: »عذرًا يا سيّدي… هل أنتَ من بلادٍ أجنبيّة؟»

التفتَ وسأل بتعجب: »ولماذا تظنّينَ ذلك؟»

»الأمرُ ببساطة... أنّ الشعرَ الأسودَ نادرٌ بين الناسِ هنا… لكن ما لفت انتباهي حقًّا ليس شعركَ، بل ملابسُك!»

تفاجأ ونظر إلى ملابسِه كما لو أنّه يراها لأوّلِ مرّة، تجهّمَ وجهُه قليلًا وكأنّ كلماتِها أعادتْ إلى ذهنِه أمرًا لم يَشَأْ التفكيرَ فيه. التقطتِ الفتاةُ ارتباكَه فارتبكتْ هي الأخرى، ولوّحتْ بيديْها بسرعةٍ وهي تقول: »أوه، سامحْني! قصدتُ أنّ تصميمَ ملابسِك مختلفٌ، لم أرَ مثلَها من قبل.»

كانت كلماتُها تتدفّقُ بعَجَلةٍ كمن يخشى أن يُساءَ فَهمُه، لم يُبدِ نفورًا، اكتفى بابتسامةٍ تُطفئُ ارتباكَها وهو يقول بنبرة رحِبة: »أجل، أنا من بلادٍ بعيدةٍ بالفعل، وقبل أن تسألي، لا أستطيعُ ذكرَ اسمِها أو مكانِها لأسبابٍ شخصيّة.»

اكتفتِ الصغيرةُ بالنظرِ إليه وعيناها تلمعانِ بالتساؤلات، ثم سألتْ كأنّها تحاول الالتفافَ بلُطفٍ حول ما قال: »وهل يرتدي الناسُ في بلادِك مثلَ هذه الملابس؟»

»نعم، ما أرتديهِ يُعَدُّ بسيطًا مقارنةً بغيرِه، لكنّه فقد بعضَ هيئتِه بعد حادثٍ تعرّضتُ له أثناءَ مجيئي إلى هنا.»

اتّسعتْ عيناها فورَ سماعِها ذلك, وضعتْ يدَها على فمِها وقالتْ: »يا آلهتي! هذا فظيع!»

لوّح بيده ليهدّئَ من قلقِها وقال: »تعرّضتُ لبعضِ الخدوش لا أكثر.»

لم تُصدّقْه، وحين وقعتْ عيناها على قدميْه سألت:

»مسكين… ألهذا أنت حافي القدمين؟»

نظرَ لقدميه ليكتشفَ ما لم ينتبهْ له سابقاً: قدماه لا تُغطّيهما سوى جواربَ سوداءَ مُتّسخة. رمشَ عدّةَ مرّاتٍ يبحثُ في ذهنِه عن تفسير، ولم يجدْ سوى أنّ ارتطاماته العنيفةَ نزعتْ أحذيتَه دون أن ينتبه. وعلى الرغم من شكِّ الصغيرةِ فيما قاله اختارتْ ألّا تتعمّق أكثر. بدلًا من ذلك سرحتْ في تفاصيلِ ملابسِه ثم قالتْ بشغف:

»أتمنّى أن أزورَ بلادَك يومًا ما لأرى تصاميمَ الملابسِ هناك.»

»لماذا انتِ مهتمةً بالملابسِ بهذا القدر؟»

احمرّ وجنتاها قليلًا، أخذت خطوةً إلى الوراء تقبضُ على طرفَيْ فستانِها لترفعه قليلًا بحركةٍ مُهذّبة، وبنبرةِ تقديمٍ رسميّة قالت: »أَعذرْني، لم أُعرّفْكَ بنفسي… اسمي أميليا جوتي بلامين، أصغرُ خيّاطةٍ من بلدةِ شِيلدا.»

بعد أن فهمَ سرَّ فضولِها، انحنى قليلًا وقال: »تشرّفتُ بلقائِك، اسمي…»

توقف، شردتْ عيناه لحظةً إلى الأرضِ كأنّه يبحثُ في ذاتِه عن شيءٍ بعينه، رفعتْ أميليا حاجبَيْها، بينما وضعَ يدَه على صدرِه وأكمل:

»اسمي أَيس، رحّالٌ من بلادٍ بعيدة.»

مدّ يدَه لمصافحتِها، تجمدت الصغيرة للحظة وعيناها تائهتانِ في يدِه الممدودة. أغمضتْ عينيْها بينما سألَها: »هل هناك خَطْبٌ ما؟»

»لا شيء… فقط تذكّرتُ شيئاً.»

أجابتْ بابتسامة ثمّ مدّتْ يدَها لتصافحه. كان ملمسُ يدِها بين نعومةِ يدِ طفلةٍ وعُسْرِ يدٍ عرفتِ العملَ مبكّرًا. تبادلتْ أعينُهما نظراتٍ وكأنّ العالمَ توارى خلفَ ستارٍ بينهما، لكن ذلك لم يَدُمْ طويلًا، حيث جاء صوتٌ من بعيد يقطعُ لحظةَ التعارف:

»هي أنتما! هل ستظلّانِ واقفَيْنِ هناك طوالَ اليوم أم ماذا؟»

التفتا ليَجِدا الطابورَ الطويلَ قد اختفى، أسرعا بالتحرّك، انحنى أيس نحو أميليا أثناء ذلك وسألها:

»هل أحتاجُ لتصريحٍ ما لدخولِ البلدة؟»

»لا تقلق، الحُرّاسُ يفتّشون الأمتعةَ فقط… طالما لا تحملُ شيئًا يُثيرُ الشُّبهةَ، فكلُّ شيءٍ سيكونُ على ما يرام.»

كانت الإجابةُ واضحةً لكنّها لم تُشعرْه بالطمأنينة، ومع ذلك لم يكن أمامَه سوى التقدّم. عند الاقتراب استحوذَ شكلُ الحارسَيْن على اهتمامه، كانا كأنهما انعكاسَ لصورةٍ واحدة: بعينَيْنِ خضراوينِ لامعتَيْن، وبشرةٍ سمراء، وشعرٍ بُرتقاليٍّ منفوش. كان التشابهُ بينهما غريبًا حدَّ الإرباك, لم تكن بُنيتُهما لافتةً من حيثُ الضخامةِ أو العضلات، كانا نحيلَيْن، إلّا أنّ رشاقتَهما أوحتْ بقوّةٍ تعتمدُ على السرعةِ والمهارة أكثرَ من الاعتمادِ على عضلاتٍ مفتولة. كانا يُمسكانِ رِماحًا طويلةً، بينما حملَ كلٌّ منهما بيدِه الأخرى كتابًا سميكًا، أوراقُه الصفراءُ تشي بقِدَمِه. أثار ذلك فضولَ أيس: كيف يمكنُ لحارسَيْنِ في مهمّةِ يقظةٍ أن يحملا كُتبًا؟ أهي لتمضيةِ الوقت؟ أم أنّ لها شأنًا ما يتجاوزُ حدودَ القراءة؟

ما إن وقعتْ أعينُ الحارسَيْن على أميليا حتى تلاشتْ صرامةُ وجهَيْهما لتحلَّ محلَّها ابتساماتٌ مشرقة. تقدّم أحدُهما نحوها وقال:

»أوه، أميليا! كلّما أراكِ أتذكّر أنّه ما زال هناك فتياتٌ لطيفاتٌ في هذا العالم.»

كانت كلماتُه خليطًا بين العاطفةِ والدعابة. لكن حين تحوّلت أنظارُهما نحو الشابِّ الواقفِ بجانبِها، انطفأت الابتساماتُ وحلّتْ محلَّها نظراتٌ حادّةٌ تتفحّصُ ملابسَه التي تنطقُ بما هو أكثرُ من تعبِ السفر. تقدّم أحدُهما ثمّ سأله بنبرةٍ مشوبةٍ بالريبة:

»مظهرُك لا يوحي بأنّك من هنا… هل أنتَ أجنبيّ؟»

»نعم، جئتُ من بلادٍ بعيدة، أرغمتني الظروفُ على المجيء إلى هنا بعد أن تعطّلتْ مركبتي الــفضـ…» توقّفَ وكأنّ الكلماتَ تعثّرتْ في حلقِه، قبل أن يُصحّحَ نفسَه على عَجَل: »مـ... مركبتي التي كنتُ أُسافرُ بها!»

أثار ارتباكُه مزيدًا من الشكوك، تبادل الحارسَانِ نظرةً ثم قالَ أحدُهما: »أعطني حقيبتَك للتفتيش.»

سلّم أيسُ الحقيبةَ على مضض، أخذَها الحارسُ واستغربَ خفّتَها، حاولَ فتحَها دونَ جدوى، حتى تدخّل أيسُ يسحبَ السِّحّابَ المعدنيّ. انحنى الحارسُ يتفحّصُ المحتوى، بينما ظلّ الآخرُ يُحدّق كأنّه يحاولُ قراءةَ ما وراءَ عيني الشابِّ الغريب. من بين الأغراضِ أخرج الحارسُ قارورةً بلاستيكيّةً شفّافة، بدا الماءُ فيها كأنّه عالقٌ في الهواء, تفحّصَها قليلًا قبل أن يضعَها جانبًا ثمّ أخرج شيئًا آخر: علبةً مستطيلةً ذاتَ ألوانٍ زاهية.

هزّها فصدر صوتٌ من داخلِها، أثار ذلك فضولَ أميليا التي اقتربتْ وأنفُها يلتقطُ رائحةً لم تَعهَدْها. سأل الحارسُ عن محتوى العلبةِ الغريبة فأجاب أيسُ بابتسامة: »هذه علبةُ حلوياتٍ تُصنَعُ في بلادي، نكهاتُها مميّزة، إنْ شئتُما يمكنكُما تجربتُها.»

تبادل الحارسَانِ النظراتِ بين الشكِّ والرغبة، ثم قال من كان يحمل العلبة:

»ولكن… كيف يَفتحُ هذا الشيء؟»

أخذَ أيسُ العلبةَ، فتحها وأخرجَ منها كيسًا فسفوريًّا، ما إنْ شَقَّه حتى فاحت رائحةٌ آسرة، مزيجٌ بين حلاوةِ الفانيليا ونضارةِ الليمون. كانت الرائحةُ كفيلةً بأن تُذيبَ ما تبقّى من حذرٍ على وجهَي الحارسَيْن. لم يتمالكْ أحدُهما نفسَه فسأل بنبرةٍ حائرة: »مَـ… ما هذا؟»

لم يَرُدَّ أيسُ، أخرجَ من الكيسِ قطعًا صغيرةً من الحلوى بدتْ كجواهرَ مصوغةٍ من السكر، تتلألأُ بألوانٍ متدرّجةٍ من الأحمرِ إلى الأزرقِ السَّماويّ، مدَّ يدَه كأنّه يدعوهما للتجربة. تردّد الحارسَانِ قليلًا قبل أن يبتلعَ أحدُهما ريقَه ويسأل: »هل… هل هي آمنة؟»

»بالطبع! إنّها مجرّدُ حلوى.»

قال ببساطة, ظلّا متردّدَيْنِ لحظةً حتى مدّ أحدُهما يدَه ببطءٍ ليأخذَ قطعةً حمراءَ، تأمّلَها ثم قرّبَها من فمِه، وما إنْ لامستْ لسانَه حتى تجمّدتْ تعابيرُه، أخذَ يمضغُ ببطءٍ محاولًا استيعابَ المذاقِ الجديدِ الذي اجتاحَه. تبدّلتْ ملامحُه سريعًا، اتّسعتْ عيناهُ وارتجفتْ شفتاهُ، ثم انفرجَ وجهُه بابتسامةٍ واسعة وقال بانفعالٍ لم يستطعْ كبحَه:

»هذا… هذا مذهل! لم أتذوّقْ شيئًا كهذا من قبل!»

انتقلتْ عدوى الفضولِ إلى الآخر، لم يَطِقِ الانتظار فأخذَ قطعةً زرقاءَ وألقاها في فمِه، ومع أوّلِ مضغةٍ غمرتْه موجةٌ من الانفعالات، اتّسعتْ عيناهُ ثم أغمضَهما ليحتفِظَ باللحظة، وارتسمت على وجهِه ابتسامةٌ مَن ذابَ في حلمٍ جميل. فتحَ عينيْه وقال بصوتٍ يلهثُ بالدهشة:

»هذه ليستْ حلوى… إنّها لذّةٌ خالصة!»

لم يكتفِ بتجربةٍ واحدة، مدّ يدَه بسرعةٍ ليأخذَ قطعةً أخرى، وتبِعَه الآخر. انطلق الاثنانِ يأكلانِ بشراهةٍ كأنّهما أُطلقا في مهرجانٍ للحلوى، وفي لحظاتٍ لم يَبْقَ في يدِ أيس أي قطعة، تبادلا النظراتِ ثم انفجرا يضحكانِ عالياً بينما النكهةُ العجيبةُ عالقةً على لسانيْهما. في تلك اللحظةِ شعر أيسُ بلمسةٍ عندَ خصرِه.

التفتَ فرأى أميليا تُحدّقُ به بعينينِ متّقدتينِ رغم الخجل، كانت تُؤرجحُ خصرَها وشفتاها مضمومتانِ بطريقةٍ لا تُخفي رغبتَها. لم تتكلّمْ، لكنّ نظراتِها قالتْ كلَّ شيء. ابتسمَ ثم أخرجَ علبةً أخرى، أخرجَ منها قطعةً صفراءَ كلونِ عينيْها، قدّمها إليها قائلًا:

»جرّبي هذه… أظنّها ستُعجبُكِ.»

تردّدتْ أميليا لحظةً وقد غمرَها الخجل، ثم مدّتْ يديْها وأخذتْ قطعةَ الحلوى بحذرٍ كأنّها تخشى أن تسقط من بين أصابعِها قبل أن تحظى بفرصةِ لتذوّقِها.

رفعتْها إلى أنفِها أوّلًا تستنشقُ عبيرَها السُّكّريّ، ثم أغمضتْ عينيْها برهةً كأنّها تريدُ حفظَ الرائحةِ قبل أن تسمحَ للطعمِ أن يلامسَ لسانَها. حين وضعتْها في فمِها ارتجفَ جفنُها كأنّ نكهةً غيرَ متوقّعة باغتتْ حواسَّها. اشتعلَ لونُ وجنتَيْها بحُمرة ثم أفلتَ من شفتيْها كلماتٌ بنبرة مختلفة:

»لا أُصدّقُ أنّ مَخْبوزاتٍ بهذه اللذّة يمكن أن تُصنَع! إنّها مُمتلئةٌ من الداخلِ كأنّها مَحشوّةٌ بالهواءِ وهشّةٌ من الخارج… إنّها متوازنةٌ على نحوٍ مُذهل!»

نظرت نحو أيسَ وسألتْ بصوتٍ يفيضُ فضولًا:

»سيّدَ أيس… من أيِّ بلدٍ جئتَ؟»

»كما أخبرتُكِ، لا أستطيعُ الكشفَ عن اسمِ بلدي أو مكانِه… أرجو التفهّم.»

لم تُخمدْ تلك الإجابةُ الفضولَ في نظراتِها، بل زادَته اشتعالًا. وقبل أن تسألَ من جديد، قال أحدُ الحارسَيْنِ بصوتٍ مُتردّدٍ وهو يُشيرُ إلى علبةِ الحلوى كأنّها كنزٌ يخشى أن يضيع:

»هـ… هل يمكنني الحصولُ على قطعةٍ أخرى… من فضلك؟» ثم انضمّ إليه الآخر: »وأنا أيضًا… أيمكنني؟»

»بالطبع! في الحقيقة، يمكنكُما أخذُها كلَّها… إنْ سمحتُما لي بالدخول.»

قال أيسُ وهو يرفعُ العلبةَ أمامَهما، تبادلا نظرةً ثم تلاشى البريقُ في عينَيْهما ليحلَّ محلَّه الحذر، ليقول أحدُهما بجِدّيّة: »هل هذا نوعٌ من الرِّشوة؟»

لم يَتَعجّلْ أيسُ بالردَّ، أعادَ العلبةَ إلى حقيبتِه كأنّه يُغلقُ بابَ فرصةٍ لن تتكرّر، وقال: »بالطبع لا… لكنْ إنْ لم ترغبَا بها فسأحتـ…»

»لا! نحن موافقان، أعطِنا الحلوى!»

»لا! نحن موافقان، أعطِنا الحلوى!»

قالا معاً بينما امتدّتْ أيديهما بلهفةٍ حتى استقرّتِ العلبةُ بين أصابعِهما، تبادلا نظرةً تحملُ إحساسَ النصر، ثمّ ضحك أحدُهما وقال: »في الواقع يا أخي، نحن لا نملكُ أيَّ سلطةٍ لمنعِك من الدخول، إلّا إنْ كنتَ مُجرمًا أو مُشبوهًا… وأنتَ يا أخي لا تبدو كذلك، ثمّ إنّ ثقةَ أميليا بك أمر كافيٍ.»

فتحا الطريق أمامَه، وصوتُهما يعلو معًا بالترحيب:

»مرحبًا بك في بلدةِ شِيلدا!»

»مرحبًا بك في بلدةِ شِيلدا!»

ومع تلك الكلمات، خطا أيسُ إلى داخلِ البلدةِ بينما أميليا تسيرُ بجانبه بخطواتِها الصغيرةِ لتُضفي على المشهدِ لمسةً من الرقّة.