حين تعود الخطوات إلى أصحابها، لا يكون الصدى صدى صوت… بل صدى قدر.)
عاد أرام يسير في الصحراء وكأنه يعيد عبور طريقٍ لم يغادره قط. لم تكن قدماه وحدهما من تعرفان الاتجاه، بل ذاكرة كاملة زرعها فيه آرغوس بعناية رجلٍ قضى عمره يقرأ الأرض كما تُقرأ الوجوه، لا كما تُحفظ الخرائط.
كان كل تفصيل صغير يناديه باسمه:
علامة لا يراها إلا من تعلّم الصبر،
حجر مائل يشهد أن الريح مرّت ولم تعد،
شجرة انحنت طويلًا حتى صار الانحناء جزءًا من جذعها،
وظلّ صخرة سوداء يشقّ الرمل نصفين كحدّ سيفٍ غُرس في الأرض منذ زمنٍ لا يُحصى.
كان أرام يتبع هذه الإشارات كما يتبع المرء نجمة لا تظهر إلا لمن خفّض بصره قليلًا، وكأن الطريق لا يمنح نفسه لمن يحدّق فيه مباشرة. سار يومًا كاملًا، من انكسار الليل حتى انحدار الشمس، مستثمرًا الوقت الذي منحه إيّاه ابنه—ذلك الوقت الذي وُلد من ولادةٍ سبقت أوانها، كأن القدر نفسه فتح له شقًّا صغيرًا ليعبر منه.
لم يتعجّل، ولم يتباطأ. كان يمشي بإيقاع رجل يعرف أن كل خطوة محسوبة، وأن الاستعجال قد يُفسد ما رتّبته الرمال بصبرٍ طويل.
حين بلغ الموضع المتفق عليه مع القافلة، توقّف.
أنزل زاده بهدوء، وربط وَبَار إلى وتدٍ قديم نصف مدفون في الرمل، وتأكد من ثباته كما لو أنه يثبت وجوده في المكان. لكن الصحراء كانت خالية.
لا أثر لجمال،
ولا لخطوات،
ولا لغبار حديث.
انتظر ساعة… ثم أخرى.
جلس على صخرة قريبة، يراقب الأفق بعينٍ ثابتة لا تستجدي الإجابة. لم يكن في قلبه قلق، بل صبرٌ ثقيل تعلّمه في الأيام الأخيرة؛ صبر من أدرك أن القدر لا يُستدرج، وأن ما كُتب سيصل في وقته، لا قبله ولا بعده.
وقبل أن تبلغ الشمس كبد السماء، ارتفع غبار خفيف في البعيد، تحرّك ببطء، ثم بدأت الأشكال تتضح…
القافلة.
حين اقتربوا، لم يتكلم أحد في البداية. كانت النظرات وحدها كافية.
عاد القائد، كما وعد.
جلسوا، شربوا الماء الذي بدا فجأة أثمن من الذهب، وسمحوا لأجسادهم أن تستريح بعد أيام من الترقّب الصامت. قصّ أرام عليهم ما جرى في جبل النجوم—لا زيادة ولا نقصان. تحدّث عن الطريق، عن الباب، عن الميزان، وعن الاختبار. أمّا البوق، فلم يذكر منه إلا ما يلزم.
بعض الأمور لا تُناقش، بل تُفهم بالصمت.
مع حلول المساء، رفع آرغوس رأسه نحو السماء، تأمّل لونها واتجاه الريح، ثم قال بصوتٍ لا يقبل الجدل:
«لن نسير غدًا نهارًا. شمس هذه المنطقة قاتلة.»
وهكذا تغيّر نظام المسير.
كانوا يستريحون وقت الظهيرة، حين يصير الرمل كالجمر تحت الأقدام،
ثم يتحرّكون مع انكسار الشمس،
ويمشون ليلًا على ضوء النجوم، حيث تكون الصحراء أصدق، والهواء أقل خداعًا، والظلال أوضح لمن يعرف كيف ينظر.
مرّت أيام على هذا الحال. صادفوا رحّالة متفرقين، قوافل صغيرة لا تثق بأحد، ورعاة يبتعدون عن الطرق المعروفة كأنهم يفرّون من ذاكرة المكان. أحيانًا كانت عيون حيوانات كاسرة تلمع من بعيد، نقاطًا صفراء في العتمة، تراقب ولا تقترب.
لكن الحراسة لم تغفل،
والقافلة لم تتراخَ،
وكل رجل عرف موضعه وحدوده.
ومع كل خطوة، تغيّر الهواء. لم تعد الصحراء مفتوحة كما كانت، بل صار لها حدّ غير مرئي، ثقل خفيّ في الصدر، وكأنهم يقتربون من أرض لا ترحب كثيرًا بمن يدخلها دون دعوة. حتى الرمال بدت مختلفة؛ أقسى، أقل تسامحًا مع الخطأ.
وفي صباحٍ مائل إلى البرودة، ظهرت القرية الوسطى.
لم تكن كبيرة، لكنها ثابتة في مكانها كعلامة طريق لا تُمحى. بيوت قليلة، جدرانها متعبة لكنها صامدة. يعرفها المسافرون بأنها آخر ما قبل سبأ، ومنها تُسمع الأخبار… إن سُمعت.
نزلوا بحذر، ولم يكثروا السؤال. غير أن آرغوس أشار على أرام أن يجلس مع أحد شيوخ القرية—رجلٍ عاش عمره بين القوافل، وعرف سبأ دون أن يدخلها يومًا.
جلس أرام معه في ظلّ صخرة كبيرة تحجبهم عن العيون. كان الشيخ نحيلًا، صوته هادئًا كمن لا يحب تضييع الكلمات، وعيناه لا تطيلان النظر، كأنهما تعلّمتا أن الرؤية الزائدة تجلب المتاعب.
قال بعد صمتٍ قصير:
«سبأ ليست كغيرها.»
ثم تابع، كأنه يزن كل كلمة قبل أن يطلقها:
«بيوتها جبلية، عالية، متلاصقة، كأنها تنمو من الصخر نفسه. أهلها لا يحبون الغريب… لا يكرهونه، لكنهم لا يسمحون له بأن يكون أكثر من عابر.»
أخبره أن للتجارة موضعًا خاصًا—ساحة يدخلها التجار، يبيعون ويشترون، ثم يخرجون.
أما المدينة نفسها… فهي لأهلها فقط.
قال الشيخ بصوتٍ خافت، كمن يحكي سرًا قديمًا:
«يتعاملون مع ما لا يُرى. طقوسهم ليست لنا. ومن يحاول الدخول بغير إذن…
إمّا أن يختفي،
أو يُعاد جثمانًا، في مكانٍ معلوم، ليكون عبرة.»
ثم نظر إلى أرام نظرة مباشرة لأول مرة:
«لا تحاول أن تكون أكثر مما يسمحون به.»
فهم أرام. لم يجادل. شكر الشيخ وعاد إلى القافلة.
وحين تحركوا مجددًا، كانت سبأ لا تزال بعيدة، لكن ظلّها صار واضحًا، ثقيلًا، كأن المدينة نفسها بدأت تراقب من يقترب منها.
وفي داخل أرام، ترسّخ يقين هادئ:
الطريق لم يعد طريق سفر فقط…
بل طريق اختيار.
