Cherreads

Chapter 3 - نبوءة الليلة الأولى

 حين يولد الخبر، لا يولد وحده… بل يوقظ ما كان نائمًا في الظلال .

كان الليل قد خفّ صوته حين دخل آرام بيته، كأن الظلام نفسه قرّر أن يتنحّى قليلًا احترامًا لما سيُقال. المصباح الصغير في الزاوية كان يلقي ضوءًا دافئًا، وفي قلب ذلك الضوء جلست مليّة، ساكنة أكثر مما اعتاد، كأنها تنتظر منذ زمنٍ أطول من ساعات المساء.

ما إن رآها بتلك الطمأنينة المشوبة باضطراب خفي، حتى تحرّك قلبه قبل أن تتحرّك شفتاها. اقترب ببطء، وعيناه تقرآن تفاصيل وجهها كما لو أنهما تبحثان عن أثر غريب لم يكن هناك من قبل. وحين رفعت رأسها، خرج صوتها قبل كلماتها:

«لدينا خبر… سيغيّر كل شيء.»

لم يحتج الأمر إلا لحظة واحدة. لحظة اتّسعت فيها عينا آرام، وتنفّست روحه بطريقة لم يعرفها منذ زمن بعيد. كأن جبل كردون بكل ثقله وهدوئه وُضع على صدره، ثم أُزيح فجأة. فهم قبل أن تُكمل. فهم حين رأى تلك اللمعة المرتبكة في عينيها.

طفله الأول.

ارتجفت يداه، رغم محاولته أن يبدو ثابتًا، ووضع كفه على بطنها كما لو أنه يلمس وعدًا لم يُكتب بعد. لم يتكلم. لم يكن بحاجة للكلام. وجهه وحده قال كل شيء: الدهشة، الفرح، الخوف، والرهبة التي لا يعرفها إلا من يدرك أن اسمه سيبدأ بالسير في دمٍ آخر.

لكن الفرح… لم يكتمل.

فمليّة، رغم ابتسامتها، كانت تحمل في عينيها ظلًّا لم يره آرام فيها من قبل. ظلًّا لا ينتمي للحظة الفرح. قالت بصوت خافت، كأنها تخشى أن يسمعه الجدار:

«هناك شيء غريب يا آرام… شيء يقترب من القبيلة. لا أعلم ما هو، لكن قلبي لا يطمئن.»

لم يردّ فورًا. أحسّ أن كلماتها لا تشبه كلمات نساء القبيلة حين يقلقن؛ لم تكن خوفًا عابرًا، بل حدسًا يخرج من أعماق لا تُفتح إلا نادرًا. حدسًا يحمل نَفَس أمٍّ تعرف أن القادم ليس عاديًا.

في صباح اليوم التالي، وبينما كان خبر الحمل ينتشر همسًا بين بيوت آل تمران، دخل عقّار، مساعده الأيمن، إلى المجلس كما يدخل رجل يحمل أمرًا لا يحتمل التأجيل. جلس قريبًا، وصوته يحمل ثقل العرف أكثر من ثقل رأيه:

«سيدي… حسب عادات القبائل، لا بدّ للقائد أن يستشير العرافة عند سماع خبر ولده الأول. الفراسة لا تُورَّث، بل تُقرأ قبل الولادة.»

لم يُبدِ آرام حماسة. كان يشعر أن الوقت ليس مناسبًا، وأن بقاءه قرب مليّة ووالدته أولى، خاصة بعد ما لاحظه من قلق في نظراتهما. لكن عقّار كان يعرف كيف يتسلّل إلى المناطق التي لا يحب آرام الاقتراب منها.

قال بهدوء مدروس:

«إن انتظرتَ أكثر، سيبدأ المطر والثلج، ويُغلق الجبل طريقه. والعرافة لا تقرأ الطالع إلا قبل أن يكتمل الحمل. إن خرجتَ الآن، عدتَ قبل أن تُثقل مليّة. وإن تأخّرت… فقد تخسر الفرصة.»

انزلقت الكلمات في صدر آرام كما تنزلق قطرة ماء داخل صخرة ساخنة؛ لا تُحدث صوتًا، لكنها تترك أثرًا. لم يقبل، ولم يرفض. فقط بدأ يفكّر. وما أضعف القائد حين تبدأ الأسئلة بالضغط على قلبه… خصوصًا حين يكون السؤال عن طفل لم يولد بعد.

وحين أخبر والدته بنيّته الرحيل، تغيّر وجهها كله. أمسكت بيده بقوة، كأنها تريد منعه بجسدها لا بكلامها، وقالت:

«ليس الآن. هناك شيء في الهواء لا يعجبني. انتظر يا بني… انتظر.»

أما مليّة، فما إن سمعت القرار، حتى شعرت بأن الظلال التي تمرّ قرب بيتها كل ليلة اقتربت أكثر. أمسكت يده وقالت بصوتٍ ارتجف رغم ثباتها:

«إن خرجتَ الآن… لن تكون الطريق كما تعرفها. هناك أمر يحدث، ولا أستطيع تفسيره، لكن الخطر يقترب.»

ورغم ذلك… عاد عقّار قبل الغروب بكلماتٍ كانت أخطر من الرحلة نفسها:

«الرياح تتغيّر، سيدي. إن لم تخرج الآن، فلن تصل إلى المغارة قبل أن تغلقها الثلوج.»

حينها أدرك آرام أن اللحظة التي كان يهرب منها وصلت، وأن عليه أن يختار بين الخوف… وبين القدر.

في تلك الليلة، وقف قرب سرير مليّة، يراقب وجهها الساكن، يحاول أن يقنع نفسه أن كل شيء سيكون بخير. لكنها لم تكن نائمة. فتحت عينيها ببطء، وأخرجت من تحت الوسادة ثلاث أشياء:

صُرّة صغيرة من جلدٍ داكن،

وخاتمًا منحوتًا عليه رأس ذئب،

وعبوة زجاجية تحتوي زيتًا أحمر داكنًا.

ناولته إياها وقالت:

«هذه الصرّة… لا تفتحها إلا إذا شعرتَ أن الخطر أقرب منك من ظلك.

والخاتم… سيخبرك متى ترتديه.

أما هذا الزيت… فستحتاجه حين تريد أن ترى.»

استغرب آرام، وسألها بصوتٍ خافت:

«وماذا في الصرّة؟ كيف سيُخبرني الخاتم؟ وما الذي لا أراه؟»

هزّت رأسها ببطء:

«لا أعرف… لكنها من أمي. قالت لي يومًا إن هذه الأشياء ستحمي الرجل الذي أحبّه… حين لا يحميه أحد. ومع هذا، أتمنى أن يخيب حدسي، وألّا تضطر لاستخدام أيٍّ منها.»

أخذ آرام الصرّة والخاتم والعبوة، وشعر بثقلٍ لا يشبه ثقل الأشياء. ثقل يشبه الحكايات القديمة التي تبدأ صغيرة… ولا تُعرف نهايتها.

وقبل غروب الشمس، اجتمع رجال القبيلة في الساحة الكبيرة لوداع قائدهم. الوجوم ظاهر في العيون، والقلق عالق في كلمات لم تُقل. تقدّم آرام بخطوات ثابتة، رغم العاصفة التي في صدره. تقدّمت والدته فضمّته، ثم تقدّمت مليّة وأمسكت يده، وفي تلك اللحظة شعر أنه يريد البقاء… لكن الطريق كان قد بدأ بالفعل، حتى قبل أن يغادر.

أمسك بزمام فرسه الأصيل وبّار. أسود الشعر، واسع الصدر، هادئ الخطو، يحمل في حركته وقار ملك يعرف قدر نفسه. لم يكن وبار مجرد فرس؛ كان ظلّ آرام في السفر، وعينيه في الليل، وقلبه حين يشتد الخوف. قال عنه صانع الخيل يومًا:

«هذا الفرس لا يعرف الهرب… يعرف التقدّم فقط.»

ومثل صاحبه، لا ينحني إلا ليشرب الماء… ثم يعود شامخًا كجبلٍ صغير.

تحرّك آرام على ظهر وبار، وخلفه عشرة من أمهر محاربيه؛ رجال يعرفهم ويعرفونه، يحمل كلٌّ منهم ذكرى معه، وولاءً لا يُطلب، لأن الوفاء الحقيقي لا يُفرض.

ومع أول خطوة ابتعد فيها عن القبيلة، شعر كأنه يبتعد عن آخر نفس آمن في حياته. الطريق أمامه بدت هادئة… لكنها لم تكن طريقًا، بل شيئًا ينتظره.

وهكذا بدأت الرحلة…

رحلة لم يكن أحد يتخيّل أنها ستكون بداية النهاية،

أو بداية ولادة رجلٍ آخر،

غير الذي غادر قبيلة آل تمران تلك الليلة.

More Chapters