Cherreads

Chapter 3 - chapter 3 "وقوع"

عند حلول الصباح، بدأت أصوات هزّاتٍ عنيفة تزلزل الأرض، كأن زلزالًا هائجًا يضرب أركان المكان، رجَّ جدران المنازل الصغيرة بعنف، وأطلق أصواتًا ترجف لها القلوب قبل الأجساد.

فزعت كاندل من مكانها على وقع تلك الأصوات، وعيناها تتسعان رعبًا. اندفعت نحو مورل وبدأت تهزه بعجلة:

مورل... مورل! استيقظ!

تقلّب مورل بتثاقل، وصوته يخرج ناعسًا:

خمس دقائق فقط...

دوّى صوت انفجارٍ أعنف من سابقه، اهتزّت له الأرض، وتعالت صرخات الناس في كل اتجاه، واختلطت بأصوات الركض والهلع، حتى صار الهواء نفسه يرتجف.

قفز مورل من مكانه فجأة، كمن سمع زئير وحوشٍ تخرج من الظلام:

م... ما كل هذا؟

أمسكت كاندل بيده بقوة، وسحبته قبل كلماتها:

إنهم هنا! هيا، بسرعة، تحرّك!

صرخت، والدموع تلمع في عينيها.

تجمّد مورل في مكانه، جسده صغير أمام هول ما يسمع، وصوته يرتجف:

أ... أمي، ماذا يحدث؟ ومن هم؟

شدّت كاندل يده بقوة أكبر، ودفعته خارج المنزل. وما إن خرجا حتى انكشف أمامهما المشهد المرعب...

أصوات صراخ تمزّق السماء، أجساد نساءٍ وأطفالٍ ملقاة

على الأرض،

منازل مهدّمة، ودخان يخنق الأنفاس.

انهار مورل باكيًا، صراخه يخرج بلا وعي:

أمي! ماذا هناك؟! ما كل هذا؟!

لم تجبه. كانت كاندل تجرّه للركض، فالكلمات صارت أثقل من أن تُقال. ركضت مع الجموع الهاربة، وبينما هم يندفعون، دوّى انفجار قريب هزّ المكان بعنف أكبر، فدبّ الذعر، وتدافع الناس، وسقط بعضهم تحت الأقدام دون رحمة.

كان مورل يركض فقط... لا يفهم، لا يرى بوضوح، كأن جسده يتحرك بلا روح، يلاحق والدته التي تجرّه خلفها.

وعينَا كاندل، وهما تركضان بين الأزقة المنهارة، تلمحان مشاهد ستظل محفورة في الذاكرة:

أطفال يركعون بجانب أجساد والديهم، مغطّاة بالدماء، يهزونهم ويصرخون بأسمائهم، كأنهم يتوسلون لهم أن يعودوا للحياة.

ارتفعت أصوات سيارات، تبعها إطلاق نار في الهواء، فازداد الهلع.

ورأى الجميع حشودًا غريبة، ملابسهم مختلفة، لا تشبه زيّ الفلاحين الذي اعتادوه.

توقفت كاندل فجأة، لاهثة من التعب، تبحث بعينيها المرتجفتين عن مخرج بين ركام المنازل:

مورل! تحرّك!

صرخت بصوتٍ مبحوح، والدموع تنهمر على خديها.

كان مورل ينظر حوله بفراغ، بلا روح:

إنهم... هم المتنمّرون...

لم تجبه. سحبته من جديد، وغيرت الطريق.

اقتربت منه وهمست، محاولة أن تخفي ارتجاف صوتها:

اشش... كن هادئًا.

من خلف الأنقاض، رأوا حشود الجنود تتحرك، إطلاق نار عشوائي، وصراخ الناس يمتزج ببكاء الأطفال.

ركعت كاندل أمام مورل فجأة، أمسكت كتفيه، وعيناها تغرقان في الخوف:

اسمعني يا مورل... مهما حدث، ومهما حدث، لا تنطق بكلمة. هل تسمعني؟!

عاد وعي مورل قليلًا على صوتها:

ما... ماذا تقص-

وضعت يدها بسرعة على فمه، وجذبته أقرب إلى الأنقاض، تخفيه بجسدها.

أصوات الجنود تقترب، خطواتهم ثقيلة، وصراخهم يعلو، والهلع يزداد.

وفجأة، وبدون إنذار، دفعت كاندل مورل بقوة بين الحطام.

اندفع جسده الصغير داخل الخشب والصخور المحطّمة، وارتطم بعنف، حتى اختنق صوته.

هزّت كاندل رأسها ببطء، وعلى شفتيها ابتسامة باهتة، مشقوقة بالدموع.

كان سمع مورل مشوشًا، وبصره يهتز، لكنه يرى شفاه والدته تتحرك، والدموع تنساب على خديها.

وفي لحظة واحدة، وسط شهقاته المكتومة، فهم ما تقوله:

أحبك...

ثم...

عمّ الصمت.

اختفى كل شيء. لم يبقَ في العالم سوى مورل، ووالدته، والهواء الذي يخترق رئتيهما... للمرة الأخيرة.

End of chapter 3

More Chapters